مقدمة
يعتبر حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يبدأ بـ “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر” من الأحاديث الجامعة التي ترسم حدودًا فاصلة بين ما يرضي الله وما يسخطه. يتضمن هذا الحديث تحذيرات بليغة من آفات عظيمة تضر بالفرد والمجتمع، وتؤدي إلى الخسران المبين في الدنيا والآخرة. يهدف هذا المقال إلى استعراض أهم المعاني والدلالات المستفادة من هذا الحديث الشريف، مع التركيز على شرح أبعاد الكبائر التي ذكرت فيه، وأثرها على حياة المسلم.
صيغة الحديث الشريف
روى البخاري في صحيحه عن أبي بكرة نُفَيْع بن الحَّارث -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-:
“أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قالوا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ. وفي رواية: وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فقالَ: ألَا وقَوْلُ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ.” [١]
تفسير الحديث النبوي
يبين لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث خطورة ارتكاب الذنوب العظيمة التي تجلب لصاحبها العذاب الشديد في الآخرة، وتعرضه للخسارة في الدنيا. وقد وصفها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنها أكبر الكبائر، وذلك لبيان مدى الضرر الذي تلحقه بمرتكبها.
إن سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه قائلاً: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ؟) هو أسلوب نبوي شريف لجذب انتباه السامعين وتهيئتهم لتلقي العلم النافع، والعمل به.
وقد ذكر الحديث ثلاثًا من أكبر الكبائر، وهي:
أولًا: خطر الشرك بالله
تصدَّر الشرك بالله -تعالى- قائمة الكبائر في هذا الحديث النبوي الشريف؛ وذلك لأنه أعظم الذنوب وأكبرها، وهو الظلم العظيم الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة. لقد كانت وصية لقمان لابنه هي التحذير من الشرك، حيث قال -تعالى-:
“وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.” [٣] [٤]
والله -عز وجل- لا يغفر لمن مات وهو مشرك به، قال -تعالى-:
“إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ.” [٥]
كما أن الله -سبحانه وتعالى- قد حرم الجنة على المشركين، وجعل مأواهم النار، قال -تعالى-:
“إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ.” [٦] [٤]
ثانيًا: وخامة عقوق الوالدين
تأتي في المرتبة الثانية بعد الشرك بالله، كبيرة عقوق الوالدين. لقد أمرنا الله -تعالى- بالإحسان إلى الوالدين، وجعل ذلك قرينًا لعبادته، قال -تعالى-:
“وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولًا كَريمًا.” [٧]
كما حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من مغبة التقصير في حق الوالدين، خاصة عند كبرهما، فقال -صلى الله عليه وسلم-:
“رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أحَدَهُما، أوْ كِلَيْهِما فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ.” [٨]
فالعقوق طريق إلى الخسران في الدنيا والآخرة.
[٩]
ثالثًا: قبح شهادة الزور
إن شهادة الزور من الكبائر التي قرنها الله -تعالى- بالشرك به، ويدل على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
“عدلَت شَهادةُ الزُّورِ بالإشراكِ باللَّهِ” قالَها مرَّتين أو ثلاثًا، وقرأ قوله -تعالى- “وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ” [١٠] [١١]
وقد وصف الله -عز وجل- عباد الرحمن بأنهم لا يشهدون الزور، فقال -تعالى-:
“لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا” [١٢]
والزور هو الباطل، ويشمل الكذب في الأقوال والأفعال والشهادات وكل ما يخالف الحق.
[١٣]
وقد بالغ النبي -صلى الله عليه وسلم- في التحذير من شهادة الزور، فكان متكئًا فاعتدل في جلسته، وأخذ يكرر قوله: “ألا وقول الزور”، حتى تمنى الصحابة أن يسكت؛ شفقة عليه، وخوفًا من عظم هذا الذنب.
[١٣]
المصادر
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي بكرة نفيع بن الحارث، الصفحة أو الرقم:6273، صحيح.
- أبو موسى شاهين لاشين،كتاب المنهل الحديث في شرح الحديث، صفحة 43-45. بتصرّف.
- سورة لقمان، آية:13
- أبو حسن أبو الأشبال الزهيري،كتاب شرح صحيح مسلم، صفحة 18. بتصرّف.
- سورة النساء، آية:48
- سورة المائدة، آية:72
- سورة الإسراء، آية:23
- رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2551، صحيح.
- أحمد حطيبة،كتاب شرح رياض الصالحين، صفحة 8. بتصرّف.
- سورة الحج، آية:30-31
- رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن خريم بن فاتك، الصفحة أو الرقم:3599، سكت عنه فهو صالح.
- سورة الفرقان، آية:72
- أبو عبد المحسن العباد،كتاب شرح سنن أبي داود للعباد، صفحة 11. بتصرّف.








