بعد أن أدركت قريش أن المواجهة المباشرة مع المسلمين ليست في صالحها، أرسلت وفدًا لإجراء مفاوضات مع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بهدف إبرام اتفاقية صلح. وافق النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، وتمت كتابة معاهدة اشتملت على عدة بنود. في البداية، اعتقد بعض المسلمين أن هذه البنود فيها إجحاف بحقهم، خاصة وأنهم كانوا متجهين لأداء العمرة مستعدين للتضحية في سبيل الله. ولكن، هذا الصلح كان بمثابة بداية لفتح عظيم ونصر مبين. وقد تجلت في هذه الاتفاقية دروس وعبر عظيمة.
التسليم والإيمان بحسن تدبير الله
اعتقد بعض الصحابة أن بنود الصلح تحمل في طياتها ضعفًا للمسلمين، ولم يتوقعوا العودة بعد أن كانوا قد استعدوا للعمرة. كان من بين هؤلاء الصحابة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. ومع ذلك، فإن هذا الصلح كان بوحي من الله -تعالى-، وعقل الإنسان وحده قد لا يدرك الحكمة الإلهية الكامنة وراء الأحداث. يجب على المؤمن أن يتوقع الخير من الله دائمًا وأن يرضى بحكمه في كل الأحوال، حتى وإن لم يدرك الخير الظاهر في الأمر. قال تعالى:
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
[البقرة: 216].
تأكيد قيمة وأهمية التشاور
عندما لاحظ النبي -صلى الله عليه وسلم- تردد الصحابة في تنفيذ أمره بحلق رؤوسهم ونحر الهدي، توجه إلى أم سلمة -رضي الله عنها- ليستشيرها في الأمر، لعلمه بحكمتها ورجاحة عقلها. أشارت عليه أم سلمة بألا يكلم أحدًا منهم وأن يبدأ هو بنفسه بالنحر والحلق، مؤكدة أن الصحابة سيتبعونه فور رؤيتهم له يفعل ذلك، لعلمها بمحبتهم وطاعتهم له.
أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بمشورة أم المؤمنين، فقام الصحابة جميعًا بفعل ذلك حين رأوه، فحلقوا ونحروا الهدي. كان هذا درسًا بليغًا يعلمنا فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- أهمية المشورة وأنها لا تقتصر على الرجال دون النساء، طالما أن الرأي سديد وراجح.
تقدير المرأة وإبراز دورها المحوري
أظهر النبي -صلى الله عليه وسلم- منزلة المرأة وأهمية دورها في المجتمع. فتوجهه إلى زوجته أم سلمة لاستشارتها والأخذ برأيها الصائب يمثل تكريمًا لها وتقديرًا لعقلها وحكمتها.
وجوب الالتزام بأوامر القائد والوثوق بقراراته
في صلح الحديبية، كان القرار الذي اتخذه الرسول -صلى الله عليه وسلم- صعبًا على المسلمين، خاصة وأنهم لم يدركوا أبعاده في ذلك الوقت. إلا أنهم أظهروا ثقة بقائدهم وأطاعوا أمره على الرغم من أنهم كرهوه في البداية. فالقائد قد يتخذ قرارًا قد يبدو مؤلمًا في ظاهره، لكنه يحمل مصلحة أكبر أو يدفع ضررًا أعظم.
الأسوة الحسنة بالفعل أبلغ من القول
من أبرز الدروس المستفادة من صلح الحديبية هو أهمية القدوة العملية. فعلى الرغم من أن الصحابة الكرام كانوا يشعرون بثقل الأمر عليهم، إلا أنهم ما أن رأوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعل ما أشارت به أم سلمة بشكل عملي، استجابوا جميعًا للأمر. فالقدوة الحسنة بالفعل تكون أكثر تأثيرًا وإقناعًا في مثل هذه المواقف.
المساعدة على تعظيم حرمات الله حتى مع المخالفين
عندما دعا المشركون الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الصلح، استجاب لهم. ولم يكن في ذلك إعانة لهم على الكفر والمعاصي، وإنما كان إعانة لهم على أمر فيه تعظيم لحرمات الله -تعالى-، لأنه كان مدركًا أن هذا الصلح ما هو إلا مقدمة لفتح عظيم. فقد ثبت عنه أنه قال:
لا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إلَّا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاهَا
[صحيح البخاري: 2731].
محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- متجذرة في قلوب الصحابة
ظهر في صلح الحديبية حب النبي -صلى الله عليه وسلم- العميق في قلوب الصحابة. فما أن رأوه ينحر الهدي ويحلق، حتى قاموا جميعهم وتحللوا من إحرامهم. كما أن الله -سبحانه وتعالى- بين أن إيمانهم زاد بعد هذا الحدث العظيم، وأنزل فيهم الآية الكريمة:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
[الفتح: 4].








