التعامل مع الميراث قبل التوزيع: الأحكام الشرعية

استكشاف الأحكام الشرعية المتعلقة بتصرف أحد الورثة في التركة قبل تقسيمها. يتضمن ذلك حالات الموافقة وعدم الموافقة من الورثة الآخرين، وتوقيت توزيع الميراث، والحقوق المتعلقة بالتركة.

ضوابط التصرّف في التركة قبل قسمتها

عند وفاة شخص، تنتقل أمواله وممتلكاته إلى ورثته الشرعيين. إلا أن مسألة التصرّف في هذه التركة قبل تقسيمها تخضع لضوابط شرعية تختلف باختلاف الظروف. فالتصرف يمكن أن يتم بموافقة جميع الورثة، أو بدون موافقتهم، ولكل حالة حكمها الخاص.

حكم التصرّف بالإذن والقبول من الورثة

إذا أقدم أحد الورثة على التصرّف في التركة قبل قسمتها، وكان ذلك بموافقة صريحة أو ضمنية من باقي الورثة، فإن هذا التصرّف يعتبر جائزًا شرعًا. ولا يلزم المتصرف بدفع أي تعويض أو ضمان لبقية الورثة، لأنهم قد أذنوا له بالتصرف.

تتعدد أشكال الإذن الصريح والضمني، ومنها:

  • الإذن الصريح: وهو أن يعبر الورثة بشكل واضح ومباشر عن موافقتهم على تصرّف الوارث في التركة قبل تقسيمها. وهذا النوع هو الأقوى والأكثر وضوحًا.
  • الإذن الضمني (العرفي): ويتحقق عندما يتصرّف أحد الورثة في التركة، ويعلم باقي الورثة بهذا التصرّف ولا يعترضون عليه. وفي هذه الحالة، يعتبر سكوتهم بمثابة إذن، استنادًا إلى القاعدة الفقهية: “السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان”. ويشترط ألا يكون هذا السكوت ناتجًا عن حياء أو إكراه، لأن “ما أخذ بسيف الحياء فهو باطل”.

حكم التصرّف دون إذن الورثة

لا يجوز لأي وارث أن يتصرّف في التركة قبل تقسيمها دون الحصول على موافقة بقية الورثة. فإذا فعل ذلك، يعتبر متعديًا على حقوقهم، ويترتب على ذلك ضمان. فإذا تصرف أحد الورثة في التركة قبل قسمتها دون موافقة الورثة، فإنه يكون ضامنًا وعليه ردّ العين التي تصرف بها إن كانت موجودة، أو ردّ قيمتها إذا لم تكن موجودة.

ومع ذلك، يمكن للوارث المتصرف أن يتفق مع بقية الورثة على تعويضهم بشكل يرضيهم، مقابل التصرّف الذي قام به. وذلك لأن التصرّف تم في حق الغير بغير إذن.

وقبل أي تصرّف في التركة، سواء من قبل جميع الورثة أو أحدهم، يجب أولًا تسديد الحقوق المتعلقة بالتركة، والتي تشمل:

  • تكاليف تجهيز المتوفى وتكفينه.
  • سداد الديون التي كانت على المتوفى، سواء كانت حقوقًا للعباد أو حقوقًا لله تعالى.

توقيت توزيع التركة على الورثة

بعد وفاة المسلم، تصبح أمواله وممتلكاته تركة، ولورثته الحق فيها. ولكن قبل تقسيم التركة، هناك حقوق أخرى متعلقة بها يجب الوفاء بها أولًا، وهذه الحقوق مقدمة على حق الورثة في الإرث.

هذه الحقوق تشمل:

  1. تجهيز الميت وتكفينه.
  2. أداء الديون التي على الميت، سواء كانت حقوقًا للعباد أو حقوقًا لله -عز وجل-.
  3. تنفيذ وصية المتوفى، ولكن بشرط ألا تتجاوز الوصية ثلث التركة.
  4. تقسيم ما تبقى من التركة على الورثة المستحقين.

المستحقات السابقة لتوزيع الإرث

إذا تم تقسيم التركة قبل أداء الحقوق المتعلقة بها، فهل تعتبر القسمة صحيحة وملزمة؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

  • رأي الحنفية والمالكية: يرون أن القسمة تبطل إذا كان الدين يستغرق التركة، لأن التركة تبقى في ملك المتوفى حكمًا حتى يتم سداد الدين.
  • رأي الشافعية والحنابلة: يرون أن القسمة لا تبطل، لأن التركة أصبحت حقًا للورثة بمجرد وفاة المورث، وقسمتها ما هي إلا تمييز لنصيب كل وارث.

والراجح أنه إذا ظهر دين على الميت بعد تقسيم التركة، فإن القسمة تفسخ، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، وهي:

  • إذا قام الورثة بسداد الدين عن المتوفى.
  • إذا سامح الدائنون المتوفى، وأبرأوا ذمته من الدين.
  • إذا ترك الميت مالًا آخر غير الذي تم تقسيمه، وكان هذا المال كافيًا لسداد الدين.

آيات قرآنية ذات صلة

في القرآن الكريم، هناك آيات عديدة تتحدث عن الميراث وأحكامه، منها قوله تعالى:

{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11].

أحاديث نبوية شريفة

وردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة تحث على العدل في تقسيم الميراث وإعطاء كل ذي حق حقه، منها:

أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ” [متفق عليه].

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

بيان حكم تغيير لون الحاجب وقصه ونتفه

المقال التالي

الآراء الفقهية في تصوير القبور والأموات

مقالات مشابهة