تبليغ رسالة الإسلام
دأب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- على دعوة المشركين من قريش لاعتناق الإسلام، ولم يثنه عن ذلك كفرهم وعنادهم. كان يكرر دعوته لهم بشكل مباشر، على الرغم من توقع الأذى منهم. بعد نزول قول الله -تعالى-: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]. بادر النبي -عليه الصلاة والسلام- بدعوة أقربائه، كما ثبت أنه:(قامَ علَى الصَّفا، فقالَ: يا فاطِمَةُ بنْتَ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ بنْتَ عبدِ المُطَّلِبِ، يا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شيئًا، سَلُونِي مِن مالِي ما شِئْتُمْ). [مسلم].
ثم أنزل الله -تعالى- قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]. أي أعلن بدعوتك وجهر بها أمام الناس. وكان -عليه الصلاة والسلام- يدعوهم ويحزن لعدم استجابتهم، فنزل قوله -تعالى-: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف: 6]. أي أن شدة حرصك على إيمانهم قد تهلكك.
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتبع أساليب الدعوة الحسنة التي ترغبهم في الدخول في الإسلام. قال -تعالى-: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]. فكان يدعوهم بالحكمة والكلمة الطيبة، وبالصبر الطويل والموعظة المؤثرة، آملاً أن تؤثر دعوته فيهم ويسلموا.
التأني والصبر على الأذى
تحلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالصبر على أذى الكفار، والذي كان شديداً لدرجة أن الله -تعالى- أرسل إليه ملك الجبال ليعذب أهل مكة ويطبق عليهم الجبال. يروي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن جبريل -عليه السلام- قال له:(إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ، وقدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، فقالَ ذلكَ فِيما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ). [البخاري]. والأخشبان هما جبلان يحيطان بمكة.
على الرغم من شدة الأذى الذي تعرض له النبي -صلى الله عليه وسلم-، إلا أنه صبر عليهم طمعاً في هدايتهم، لذا رد على ملك الجبال وقال:(بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا). [البخاري].
وعلى الرغم من رفض قبيلة دوس للدعوة، إلا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صبر عليهم ولم يدع عليهم، بل دعا لهم بالهداية، فقال:(اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بهِمْ). [مسلم]. وكان -عليه الصلاة والسلام- مستجاب الدعوة، ورغم رؤيته لتعذيب قريش للمسلمين، لم يدع على قريش، بل كان يصبر المسلمين ويقول:(صبرًا آل ياسرٍ، فإنَّ موعدَكم الجنةُ). [الألباني، فقه السيرة، حسن صحيح].
الوفاء بالوعود
كان معروفاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بين العرب وغيرهم أنه لا ينقض العهد ولا يغدر. كما حدث حين سأل هرقل أبا سفيان فقال:(وَسَأَلْتُكَ: هلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أنَّهُ لا يَغْدِرُ، وَكَذلكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ). [مسلم]. وقد حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على الوفاء بالعهود التي بينه وبين الكفار، ولم يكن إيذاؤهم له وللمسلمين مبرراً لنقض هذه العهود.
التزم النبي -صلى الله عليه وسلم- بعهده مع قريش في صلح الحديبية فوراً دون تأخير، حيث كان العهد يقضي بإرجاع من أسلم منهم وعدم استقبالهم من قبل المسلمين. وما أن انتهى الاتفاق (حتى دَخَلَ أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِهِ، حتَّى رَمَى بنَفْسِهِ بيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ سُهَيْلٌ: هذا يا مُحَمَّدُ أوَّلُ ما أُقَاضِيكَ عليه أنْ تَرُدَّهُ إلَيَّ). [البخاري]. وجاء أبو جندل هارباً من قريش مؤمناً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، إلا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- التزم بالعهد ورد أبا جندل إلى قريش.
كان -عليه الصلاة والسلام- وفياً لمن خدم الإسلام حتى لو كان من المشركين، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- في أسرى بدر:(لو كانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ له). [البخاري]. وكان -عليه الصلاة والسلام- قد دخل في جوار المطعم بن عدي بعد عودته من الطائف.
التعامل مع الخيانة بالقوة
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- حريصاً على إسلام الكفار، لذا كان يتلطف معهم في الكلام والتعامل. ولكن هذا لا يعني تركهم في حال غدرهم وخيانتهم للمسلمين. بل كان يبادر إلى قتالهم إذا غدروا وخانوا. فقد قاتل -عليه الصلاة والسلام- بني قريظة حين غدروا العهد في غزوة الخندق، وقال -صلى الله عليه وسلم-:(لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ). [البخاري].
وقاتل -صلى الله عليه وسلم- الروم في غزوة مؤتة حين نقضوا المواثيق المتعلقة بحرمة قتل الأسرى، حين قُتِلَ الصَّحابي الحارث بن عمير الأزدي على يد حاكم مؤتة. وقاتل -عليه الصلاة والسلام- يهود بني النضير حين غدروا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فحاصرهم وأخرجهم لخيانتهم.
العفو والمسامحة عند المقدرة
اختار النبي -صلى الله عليه وسلم- العفو والمسامحة في تعامله مع الكفار، وكان -عليه الصلاة والسلام- في موطن قوة، إلا أنه لم يستخدم قوته للانتقام ممن آذاه، أو للانتقام من قريش التي أخرجته. فقد دخل -عليه الصلاة والسلام- مكة في يوم الفتح، ومعه الآلاف من الجنود من الصحابة -رضوان الله عليهم-.
ولم يرتكب بحق أهل مكة مذبحة، ولم يسفك لهم دماً، بل قال لهم حين أرادوا أن يطمئنوا على أنفسهم:(ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم؟ فلم يصادر منهم مالاً ولم يقتل منهم رجالاً ولم يعتدي على نسائهم، بل قال لهم: أقول لكم كما قال يوسف لإخوته قَالَ:(لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ ﴾ [يوسف: 92]، اذهبوا فأنتم الطلقاء.
المراجع
- سورة الشعراء ، آية:214
- رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن عائشة ، الصفحة أو الرقم:205، صحيح.
- سورة الحجر ، آية:94
- محمد أبو زهرة،زهرة التفاسير، صفحة 4115. بتصرّف.
- سورة الكهف ، آية:6
- أبو حفص النسفي،التيسير في التفسير، صفحة 254. بتصرّف.
- سورة النحل ، آية:125
- رؤوف شلبي،الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها، صفحة 342. بتصرّف.
- رواه البخاري ، في صحيح البخاري، عن عائشة ، الصفحة أو الرقم:3231، صحيح.
- التوربشتي،الميسر في شرح مصابيح السنة، صفحة 267. بتصرّف.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة ، الصفحة أو الرقم:3231، صحيح.
- رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم:2524، صحيح.
- رواه الألباني ، في فقه السيرة ، عن جابر بن عبد الله ، الصفحة أو الرقم:103، حسن صحيح.
- رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي سفيان بن حرب، الصفحة أو الرقم:1773، صحيح.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، الصفحة أو الرقم:2731، صحيح.
- صفي الرحمن المباركفوري،الرحيق المختوم، صفحة 313. بتصرّف.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري ، عن جبير بن مطعم، الصفحة أو الرقم:4024، صحيح.
- سعيد بن وهف القحطاني،رحمة للعالمين، صفحة 228. بتصرّف.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري ، عن عبد الله بن عمر ، الصفحة أو الرقم:4119، صحيح.
- خالد الراشد،دروس خالد الراشد، صفحة 5. بتصرّف.
- حسن بن محمد مشاط،إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم، صفحة 333. بتصرّف.
- محمد الغزالي،فقه السيرة، صفحة 383. بتصرّف.
- سورة يوسف، آية:92
- موسى بن راشد العازمي،اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، صفحة 63. بتصرّف.








