آيات قرآنية تُلهم الأمل والتفاؤل
الأمل في أصعب الظروف: “لا تدري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً”
تُبرز هذه الآية الكريمة، المأخوذة من سورة الطلاق، أهمية التفاؤل حتى في أصعب الظروف. فهي تذكرنا أن الله قادرٌ على تحويل مسار الأمور، وأن ما يبدو كأمر سلبي قد يحمل في طياته الخير. جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن الطلاق، لتُطمئن النفوس بأن الله قادر على أن يبعث الأمل في تلك الفترة الصعبة. فمن المُحتمل أن تُؤدي تلك المرحلة إلى تغييرات إيجابية في حياة الطرفين، سواء على المستوى الشخصي أو العلاقاتي.
تُشير الآية إلى عدم قدرة الإنسان على معرفة المستقبل، فالخالق وحده يعلم الغيب. لذا فإن على الإنسان أن يتوكل على الله ويُؤمن بقدرته على تغيير مسار الأمور نحو الأفضل، مهما كانت الظروف صعبة.
الاستبشار برحمة الله: “يستبشرون بنعمة من الله وفضلٍ وأن الله لا يُضيع أجر المؤمنين”
تُذكّرنا هذه الآية من سورة الروم بفضل الله ورحمته، وضرورة استشعار هذه النعمة والفضل في كل لحظة. فهي تُحثنا على التفاؤل، مع يقين بأن الله لا يُضيع أجر من عمل صالحًا. تذكرنا الآية أنّه لا يجب علينا أن نقنط من رحمة الله، بل على العكس، يجب أن نستبشر بعونه وفضله، ونؤمن بأنه لا يُضيع أجر من عمل صالحًا.
تُطبّق هذه الآية على جميع المؤمنين، سواء كانوا شهداء في سبيل الله أو غيرهم، فجميعهم ينتظرهم الفضل من الله. فالفضل الذي يُنتظره الشهداء هو نفسه الفضل الذي يُنتظره جميع المؤمنين بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحة. فجميعهم أُخوة في الدين، وجميعهم يُنعم عليهم الله بالفضل بسبب أعمالهم الصالحة.
خروج من الظلمات إلى النور: “ويُخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه”
تُشّع هذه الآية من سورة المائدة الأمل في قلوب المؤمنين، وتُذكّرنا بقدرة الله على تحويل الظلمات إلى نور. فما يُعاني منه المؤمن من بلاء وشدائد هو بمثابة ظلمات يُخرجهم الله منها إلى نور الفرج والراحة.
فالبلاءُ جزءٌ لا يتجزأ من الحياة، وجميع البشر معرضون للبلاء. فلكل بلاءٍ أجرٌ لمن صبر عليه، والله يُكافئ عباده على صبرهم وثباتهم. ولن يُطيل الله البلاء على عبده المُؤمن أكثر من قدرته على تحمّله.
تُؤكد الآية على قدرة الله على إخراج عباده من الظلمات إلى النور، وهذا النور لا يقتصر على الدنيا فقط، بل يشمل الآخرة. فمن خلال كتاب الله، يخرج الله عباده من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، ومن ظلمات الضلال إلى نور الهداية.
الفرح بفضل الله: “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون”
هذه الآية الكريمة، من سورة النور، تُلّخص جوهر الفرح الحقيقي الذي ينبغي للمؤمن أن يُحسّ به. فهي تُحثّه على أن يفرح بفضل الله ورحمته، وليس بما جمعته يداه من مال وامتيازات دنيوية. فرحمة الله وفضله هي النعمة الحقيقية، التي تمنح السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.
الفرح بنعم الله وشكره عليها هو مصدر للسعادة الحقيقية، وينبغي أن يكون الفرح بفضل الله ورحمته أكبر من الفرح بما جمعته يداه. لأن الفرح بنعم الله يمنح الشعور بالرضا والقناعة، ويُدفعه إلى فعل الخير والسعي في رضا الله. بينما الفرح بالدنيا مُستمر في التزايد، ويُصبح الإنسان مُستنفدًا في جمعها وتحصيلها، دون أن يشعر بالرضا أو القناعة.
الفرح الحقيقي: “ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسّته … إنّه لفرحٌ فخور”
تُنبّهنا هذه الآية، من سورة الزخرف، إلى ضرورة عدم ربط الفرح بنعمة الله بتكبّرٍ على الناس. فعند ابتلاء الإنسان بضراء ثم يُنعم عليه الله بِنعمه، فإنّه قد يفرح بطراً وفخراً، دون أن يُدرك حقيقية هذه النعمة وكيفية شكر الله عليها.
فمن واجب المؤمن أن يشكر الله على النعم، في السراء والضراء. وأن يُدرك أنّ الله لا يُبتلي إلا من يُحبه، وأن هذا البلاء هو اختبارٌ له، وتطهيرٌ لقلبه. ولا يُقارن الفرح الحقيقي الذي ينبغي أن يُحسّ به المؤمن بالفرح المُزيف الذي يتّصف بالبطر والتكبّر.
تُؤكد الآية على أهمية الصبر والعمل الصالح كوسيلة للوصول إلى المغفرة والأجر الكبير من الله. فمن صبر واشتغل بِعمل صالحٍ، فهو الذي يُدرك حقيقة النعمة، ويشكر الله عليها، فيُنعم عليه بالغفران والأجر الكبير.
النصرُ المُبين: “بنصر الله ۚ ينصر من يشاء ۖ وهو العزيز الرحيم”
تُؤكد هذه الآية، من سورة الروم، على قدرة الله على النصر، في أي زمان ومكان، مهما كانت قوة العدو. فالله يُنصر من يشاء، سواءً كان ضعيفًا أو قويًا، وهو العزيز الذي لا يُقهر، والرحيم الذي يُحبّ عباده ويُريد لهم الخير.
تُذكّرنا هذه الآية بأنّ الله هو المُتحكّم بالمُلك، وهو الذي يُقرّر من يُنصر ومن يُهزم. فالأمل والتفاؤل يَنبُعان من يقيننا بأن الله قادر على أن يُنصرنا مهما كانت الظروف، وأنّ النصر من الله هو الذي يُحرز النصر الحقيقي.
تُؤكد هذه الآية على أنّ الله لا يُعزّ الظالمين ولا يُذلّ من والى عباده المخلصين. فالنصر هو لِمن اتّصف بالصبر واليقين، والتوكل على الله.
أحاديث نبوية تُشّع بالأمل
أكد النبي -عليه الصلاة والسلام- على أهمية التفاؤل، ودعانا إلى إشاعة البِشرى وعدم التشاؤم. فقد روى أبو موسى الأشعريّ أن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يقول عند إرسال أحدٍ من صحابته في مهمّة: “بَشّرُوا وَلا تُنَفّرُوا، وَيسّرُوا وَلا تُعَسّرُوا”. فالتفاؤل يُريح القلوب، ويُشّع بالطاقة الإيجابية.
كما قال -صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر: “لا يَزالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شابًّا في اثْنَتَيْنِ: في حُبِّ الدُّنْيا وطُولِ الأمَلِ”. أي أنّ طُول الأمل يُبقي القلب شابًا، ويُغذّيه بالرغبة في الحياة والعمل.
وعندما هاجر النبي -عليه الصلاة والسلام- مع أبو بكر الصديق، وتعرّضا للمطاردة، قال أبو بكر -رضي الله عنه- وهو في الغار: “كُنْتُ مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في الغارِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فإذا أنا بأَقْدامِ القَوْمِ، فَقُلتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، لو أنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنا، قالَ: اسْكُتْ يا أبا بَكْرٍ، اثْنانِ اللَّهُ ثالِثُهُما”. فثقة أبو بكر -رضي الله عنه- بِنصر الله كانت قوية، لدرجة أنه لم يُخفِ من وجود المشركين قريبًا منه.
المراجع
- سورة الطلاق، آية:1
- سورة الروم، آية:2-5
- سورة المائدة، آية:6
- سورة الإنسان، آية:2
- سورة يوسف، آية:110
- سورة الطلاق، آية:7
- سورة النور، آية:54
- سورة الزخرف، آية:36-37
- رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم:1732، صحيح
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:6420، صحيح
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي بكر الصديق، الصفحة أو الرقم:3922، صحيح








