مقدمة
سورة عبس، هي سورة مكية تتناول قصة مؤثرة تحمل في طياتها دروساً عظيمة حول المساواة في الدعوة إلى الله، وأهمية الاهتمام بمن أقبل على الله بقلبه. سنقوم باستعراض الآيات من (1) إلى (10) من هذه السورة المباركة، مع استخلاص العبر والتأملات.
ظروف نزول الآيات الكريمة
نزلت هذه الآيات في موقف معين، حيث كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجتمع ببعض وجهاء قريش مثل عتبة بن ربيعة وأبو جهل عمرو بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، أملاً في إسلامهم. بينما كان -عليه الصلاة والسلام- منشغلاً بدعوتهم، أتاه عبد الله بن أم مكتوم، رضي الله عنه، وكان أعمى.
بدأ ابن أم مكتوم يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعلمه مما علمه الله، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتمكن من التفرغ له في تلك اللحظة، فتغير وجهه قليلاً وأعرض عنه. كما ذكر في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.[1] وهذا الموقف كان بداية لنزول الآيات التي نتناولها.
وابن أم مكتوم هو عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم، ونُسب إلى أمه أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم، وهو ابن خال السيدة خديجة -رضي الله عنها-.[2]
العتاب الرقيق للرسول الكريم
الله -سبحانه وتعالى- عاتب نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم- عتاباً رقيقاً، يحمل تذكرة وعبرة، كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾.[3]
هنا، يذكر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأنه لا يعلم الغيب، وأن ابن أم مكتوم ربما كان يريد أن يتزكى ويتطهر من ذنوبه، وأن يتذكر فينتفع بتذكير النبي -صلى الله عليه وسلم- له، ويتحسن إسلامه.[4]
ثم يستمر العتاب في قوله -تعالى-: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾.[5] وهنا، يبين الله -تعالى- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحرص على هداية من استغنى بماله وجاهه، ويتصدى لهم، مع أن النبي لا يُسأل إن لم يتطهروا من كفرهم.
ويختتم العتاب بقوله -تعالى-: ﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾.[6] وهذا تذكير بأهمية الاهتمام بمن أقبل على الله بقلبه، ويسعى لطلب العلم والخير، ويخشى الله -تعالى-.
عِبر وفوائد من القصة
تحمل هذه القصة العديد من الفوائد والعبر الهامة، ومن أهمها:
- وجوب حرص الداعية المسلم على هداية جميع الناس، وإيصال رسالة الإسلام للجميع دون تمييز أو تفضيل بين المستويات الاجتماعية.
- دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لكبار قريش ليست مذمومة، بل هي دليل على حرصه على هدايتهم، ولكن يجب ألا تكون على حساب هداية غيرهم.
- “يتساوى في الإنذار الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم الله -تعالى- يهدي من يشاء”.[7]
- أهمية هداية المستضعفين، فإن إيمان ابن أم مكتوم ونصرته للحق والإسلام تفوق الكثير ممن كانوا من كبار قريش المشركين.
- الإحسان إلى من قصرنا في حقهم ونحن نعلم صلاحهم، ومن ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استخلفه على المدينة مرتين؛ في غزوتين غزاهما، وجعله يصلي بأهلها.[8]
المراجع
- سورة عبس، آية:1
- ابن حزم، جمهرة أنساب العرب لابن حزم، صفحة 171. بتصرّف.
- سورة عبس، آية:3-4
- الطبري، أبو جعفر، تفسير الطبري جامع البيان ط هجر، صفحة 105-106. بتصرّف.
- سورة عبس، آية:5-7
- سورة عبس، آية:8-10
- مأمون حموش، التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون، صفحة 349.
- الطبري، أبو جعفر، تفسير الطبري جامع البيان ط هجر، صفحة 104. بتصرّف.








