المحتويات
تأملات في تفسير الآية (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)
الحمد لله الذي دبَّر الأقدار بحكمته، وقدّر لعباده ما فيه الخير، فليس للعبد من الأمر شيء إلا التسليم والرضا. إنّ الإيمان بالقضاء والقدر يورث الطمأنينة وراحة البال. يقول الله -تعالى- مخاطباً عباده ومذكّراً إياهم بحقيقة التوكل:(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
هذه الآية الكريمة تحمل في طياتها معاني عظيمة، فهي تعلمنا أن نتوكل على الله في كل أمورنا، وأن نرضى بما قسمه لنا، وأن نعلم علم اليقين أن كل ما يصيبنا هو بقضاء الله وقدره.
ملابسات نزول الآية الشريفة
روي أن هذه الآية نزلت في سياق استعداد المسلمين للخروج إلى غزوة تبوك في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-. كان هذا الوقت يمثل تحديًا كبيرًا، حيث تزامن مع اشتداد الحر ونضوج الثمار، وهو ما جعل البعض يتردد في الخروج للجهاد، مفضلين البقاء في الديار. فكان ذلك اختبارا للمؤمنين الصادقين.
في هذا الظرف الصعب، نزلت هذه الآية لتثبيت قلوب المؤمنين، وتذكيرهم بأن النصر والخذلان بيد الله وحده، وأن ما يصيبهم من خير أو شر هو بقضاء الله وقدره، فلا داعي للخوف أو التردد.
القدر: جوانبه المتعددة
تؤكد الآية الكريمة على أهمية الإيمان بالقدر خيره وشره، فكل ما يحدث في هذا الكون هو بتقدير الله وعلمه، ولا يخرج شيء عن إرادته. وفي ذلك تسلية للمؤمنين وتثبيت لقلوبهم عند المصائب.
وقد بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- فضل الإيمان بالقدر وأثره في حياة المؤمن، حيث قال:(عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له).
فالمؤمن الحق هو الذي يرضى بقضاء الله وقدره في السراء والضراء، ويعلم أن كل ما يأتيه من الله هو خير له، سواء علم الحكمة من ذلك أم لم يعلم.
جوهر القدر وحقيقته
يمكن تقسيم القدر إلى نوعين رئيسيين:
- القدر الذي لا اختيار للإنسان فيه: وهو ما يتعلق بالأمور الخارجة عن إرادة الإنسان، مثل الموت والمرض والخلقة.
- القدر الذي للإنسان فيه اختيار: وهو ما يتعلق بالأفعال التي يقوم بها الإنسان بإرادته، مثل اختيار طريق الخير أو الشر.
فالله -عز وجل- قد كتب مقادير كل شيء، ولكنه في الوقت نفسه قد أعطى الإنسان حرية الاختيار، وسيحاسبه على أفعاله. فالإنسان مُسيَّر ومُخيَّر في آن واحد.
ماهية الابتلاءات والمصائب
تشير الآية الكريمة إلى أن المصائب والابتلاءات هي جزء من حياة الإنسان، وأنها قد تكون خيرًا له في نهاية المطاف. والمصائب تنقسم إلى قسمين:
- مصائب بسبب ظلم الآخرين: وفي هذه الحالة، يجب على المسلم أن يعفو ويصفح، وأن يترك الأمر لله.
- مصائب واختبارات من الله: وفي هذه الحالة، يجب على المسلم أن يصبر ويحتسب، وأن يعلم أن الله يختبر إيمانه.
وقد حث الله -تعالى- على العفو والصفح، فقال:(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وأمر بالصبر عند الابتلاء، فقال:(وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).
دروس وفوائد من الآية الكريمة
تتضمن هذه الآية العديد من الفوائد الجليلة، منها:
- عدم المبالغة في الحزن واليأس عند المصائب: فالمؤمن يعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الحزن لا يغير من الأمر شيئًا.
- مواجهة المشاكل بحكمة وصبر: فالمؤمن يتوكل على الله، ويأخذ بالأسباب لحل المشاكل، ويعلم أن الله لن يخذله.
- ترسيخ الإيمان بعظمة الله وقدرته: فالمؤمن يعلم أن الله هو الخالق المدبر، وأن كل شيء بيده.
- الاستعانة بالدعاء والذكر: فالدعاء والذكر يطمئنان القلب، ويزيلان الهم والغم.
- الرضا بقضاء الله وقدره: فالرضا هو مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة.
والإكثار من ذكر الله عز وجل، والإكثار من الدعاء، حتى تنجلي الأحزان وتنهال السعادة على القلوب، وتتبدل الأحوال.
الرضا بالقدر فالله متولي الأمور الدينية والدنيوية، فالرضا غيث القلوب الحائرة يهديها لجنة السكينة فتطيب الروح وتنجلي سكرات الحزن فترضى بأمر ربها.
المصادر
- سورة التوبة ، آية:51
- محمد الغزالي ،فقه السيرة للغزالي، صفحة 403. بتصرّف.
- القرطبي،الجامع لأحكام القرآن، صفحة 159. بتصرّف.
- رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن صهيب بن سنان الرومي، الصفحة أو الرقم:2999، صحيح.
- إبن باز،كتاب فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر، صفحة 244-245. بتصرّف.
- الشعراوي،تفسير الشعراوي، صفحة 5174. بتصرّف.
- سورة آل عمران، آية:134
- سورة لقمان، آية:17
- إبن عاشور،التحرير والتنوير، صفحة 223. بتصرّف.








