مقدمة
تعتبر قضية بني قريظة من الأحداث البارزة في التاريخ الإسلامي، حيث لعب الصحابي الجليل سعد بن معاذ -رضي الله عنه- دوراً محورياً في الفصل فيها. تم تعيين سعد بن معاذ حَكَماً من قبل النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- للفصل في مصير بني قريظة بعد نقضهم العهد. يستعرض هذا المقال السياق التاريخي والأحداث المتعلقة بهذا القرار، وكيف تم تنفيذه، مع التركيز على أهميته وتأثيره.
خلفية حول قرار سعد بن معاذ
عندما تولى الصحابي الجليل سعد بن معاذ -رضي الله عنه- مهمة التحكيم في شأن يهود بني قريظة، حكم فيهم بحكم اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم موافقاً لحكم الله. قضى سعد بقتل المقاتلين، وسبي الذرية، والاستيلاء على ممتلكاتهم لصالح المهاجرين. وقد أقر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الحكم واعتبره عدلاً.
لم يكن سعد بن معاذ -رضي الله عنه- قاضياً بالمعنى المتعارف عليه، بل كان حَكَماً تم اختياره من قبل الطرفين للفصل في النزاع. وقد وافق النبي -صلى الله عليه وسلم- على اختياره وعلى الحكم الذي أصدره.
وقد قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لسعد بعد أن سمع حُكمهُ في بني قُريظة: (إنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا علَى حُكْمِكَ، قالَ: فإنِّي أحْكُمُ أنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، قالَ: لقَدْ حَكَمْتَ فيهم بحُكْمِ المَلِكِ).
وقع هذا الحدث في يوم الخميس، الخامس من شهر ذي الحجة. وكان السبب الرئيسي لهذا الحكم هو خيانة بني قريظة ونقضهم للعهود والمواثيق مع المسلمين، وتحالفهم مع قريش خلال غزوة الأحزاب. بعد انتهاء الغزوة، حاصر المسلمون بني قريظة حتى استسلموا وقبلوا النزول تحت حكمهم. كان حكم سعد متناسباً مع حجم الجرم الذي ارتكبوه.
تسلسل أحداث قضية بني قريظة
بعد أن تمكن النبي -صلى الله عليه وسلم- من السيطرة على بني قريظة، جاءه وفد من الأوس للتوسط لهم، كونهم حلفائهم في الجاهلية. اقترح النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتم التحكيم من قبل رجل من خيارهم، وهو سعد بن معاذ -رضي الله عنه-. وافق الأوس على هذا الاقتراح، وتم استدعاء سعد الذي كان قد أصيب بجروح في غزوة الخندق.
كان سعد بن معاذ -رضي الله عنه- زعيماً للأوس، ويتمتع بمكانة مرموقة ونفوذ كبير في قومه. قبل بنو قريظة النزول تحت حكمه لاعتقادهم بأنه سيكون رحيماً بهم، نظراً لتحالفهم السابق مع الأوس. عندما حضر سعد، ذكّره الأوس بعلاقاتهم وحلفائهم، وطالبوه بالإحسان إليهم.
أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يوكل مهمة التحكيم إلى أحد زعماء الأوس، نظراً لتحالفهم التاريخي مع بني قريظة. عندما اقترب سعد من المسلمين، طلب منهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقوموا احتراماً لسيدهم، وأخبره بأن بني قريظة قد قبلوا بحكمه. ذكّر الأوس سعداً ببني قريظة وعلاقاتهم في الجاهلية، وأشاروا إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ترك يهود بني النضير لأبي بن سلول في الماضي.
كان سعد بن معاذ -رضي الله عنه- صامتاً في البداية، ثم قال: “آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم”.
كيف تم تطبيق قرار سعد بن معاذ
أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتنفيذ حكم سعد بن معاذ -رضي الله عنه-. تم قتل البالغين من رجال بني قريظة في خنادق حُفرت خصيصاً لهذا الغرض في سوق المدينة. بلغ عدد القتلى ما بين الستمئة والسبعمئة. أما النساء، فلم تُقتل منهن إلا امرأة واحدة، وهي بنانة امرأة الحكم القرظي، لأنها قتلت خلاد بن سويد برمي حجر عليه. تم تقسيم أموال بني قريظة على المسلمين، حيث حصل الرجل على سهم واحد، والفارس على ثلاثة أسهم. كان عدد الفرسان في المسلمين في ذلك الوقت ستة وثلاثين فارساً.
تم حبس بني قريظة في دار بنت الحارث، وهي امرأة من بني النجار، ثم تم إخراجهم إلى سوق المدينة حيث حُفرت الخنادق، وضُربت أعناقهم فيها. تذكر رواية أخرى أنهم كانوا في دار أسامة بن زيد.
تم قتل جميع رجال بني قريظة، وفضلوا الموت على اعتناق الإسلام. كان من بينهم حيي بن أخطب، الذي مزق حلته قبل أن يُقتل لكي لا يستفيد منها المسلمون. وعندما جيء به ليُقتل، قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: “والله ما لمت نفسي في عداوتك أبداً”. بعد إعدامهم، تم إلقاؤهم في الخنادق ودفنهم. يقال إن عددهم كان ما بين الثمانمئة والتسعمئة، وقد قتلوا في ليلة واحدة. كان علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ممن تولوا قتلهم. كان يهود بني قريظة في السجن يحتجزون سيدهم كعب بن أسد كلما أراد المسلمون أخذ دفعة منهم، ويسألونه عن عقابهم، فيجيبهم بالقتل. وقد أسلم أربعة من يهود بني قريظة، ولم يُقتلوا.
المصادر
- عز الدين عبد العزيز الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (1996)، تفسير القرآن (وهو اختصار لتفسير الماوردي)(الطبعة الأولى)، بيروت، دار ابن حزم، صفحة 569، جزء 2.
- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت، دار السلاسل، صفحة 189، جزء 8.
- محمد رأفت عثمان (1994)، النظام القضائي في الفقه الإسلامي (الطبعة الثانية)، دمشق، دار البيان، صفحة 53.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 3043، صحيح.
- مغلطاي علاء الدين (1996)، الإشارة إلى سيرة المصطفى وتاريخ من بعده من الخلفا (الطبعة الأولى)، دمشق، دار القلم، صفحة 262.
- أحمد معمور العسيري (1996)، موجز التاريخ الإسلامي منذ عهد آدم عليه السلام (تاريخ ما قبل الإسلام) إلى عصرنا الحاضر 1417 هـ/96 – 97 م (الطبعة الأولى)، صفحة 81، جزء 1.
- محمد الأمين الشنقيطي (1426هـ)، العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطِيِّ فِي التَّفْسِيرِ (الطبعة الثانية)، مكة المكرمة، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، صفحة 134-135، جزء 5.
- محمد الدبيسي (2010)، السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية، القاهرة، كلية الآداب – جامعة عين شمس، صفحة 434، جزء 1.
- أكرم ضياء العمري (1994)، السِّيرةُ النَّبَويَّةُ الصَّحيْحَةُ مُحَاوَلَةٌ لِتَطبِيْقِ قَوَاعِدِ المُحَدِّثيْنَ فِيْ نَقْدِ روَايَاتِ السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ (الطبعة السادسة)، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، صفحة 315، جزء 1.
- راغب الحنفي راغب السرجاني، السيرة النبوية، صفحة 19، جزء 28.
- مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف (1433هـ)، الموسوعة التاريخية وصفه: موجز مرتب مؤرخ لأحداث التاريخ الإسلامي منذ مولد النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- حتى عصرنا الحالي، السعودية، موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net، صفحة 52، جزء 1.
- أبأحمد حطيبة، تفسير الشيخ أحمد حطيبة، صفحة 8، جزء 254.
- إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي (1403)، الفصول في السيرة (الطبعة الثالثة)، سوريا، مؤسسة علوم القرآن، صفحة 175-176.
- علي بن أحمد الأندلسي (1900)، جوامع السيرة وخمس رسائل أخرى لابن حزم (الطبعة الأولى)، مصر، دار المعارف، صفحة 195.
- محمد المباركفورى، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، بيروت، دار الكتب العلمية ، صفحة 171-172، جزء 5.
- محمد القرطبي المالكي، ابن الطلاع، ويقال الطلاعي (1426هـ)، أقضية رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، بيروت، دار الكتاب العربي، صفحة 35.
- سيد بن حسين العفاني (2006)، وَا مُحَمَّدَاهُ {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (الطبعة الأولى)، مصر، دار العفاني، صفحة 329-330، جزء 1.
- محمد الطيب النجار، القول المبين في سيرة سيد المرسلين، بيروت، دار الندوة الجديدة، صفحة 294.








