مقدمة
سورة الجن هي سورة مكية بالاتفاق وعدد آياتها ثمانية وعشرون آية. يرجح أنها نزلت في السنة العاشرة من البعثة النبوية، وذلك بعد عودة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من الطائف. هذه السورة الكريمة تتناول عدة محاور أساسية تتعلق بعالم الجن، وإيمانهم بالقرآن الكريم، بالإضافة إلى جوانب تتعلق بعقيدة التوحيد وأصول الدعوة الإسلامية. فيما يلي تحليل لأهم المحاور التي تناولتها سورة الجن.
إخبار الجن وإيمانهم بالقرآن وبالله
تستهل السورة بالإخبار عن استماع نفر من الجن للقرآن الكريم وإيمانهم به، قال تعالى:
“قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا* وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا* وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا* وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا* وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا* وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا* وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدُ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا”
في هذه الآيات، يخبر الله نبيه أن الجن قد سمعوا القرآن ووصفوه بالعجب، وأعلنوا إيمانهم به وهدايته إلى الحق، وتبرأوا من الشرك بالله، معترفين بعظمة الله وتنزهه عن الصاحبة والولد. كما أشاروا إلى أن سفهائهم كانوا يقولون على الله قولاً جائراً، وأنهم كانوا يظنون أن أحداً من الإنس والجن لا يكذب على الله. وتحدثوا عن استعاذة بعض الإنس بالجن، مما زادهم خوفاً وضعفاً. وأشاروا إلى أنهم طلبوا خبر السماء ووجدوا فيها حرساً شديداً وشهباً، بعد أن كانوا يجلسون فيها لاستراق السمع.
تبيان أحوال الجن واختلافهم بين الإيمان والكفر
توضح السورة أن الجن ليسوا على درجة واحدة من الإيمان، بل منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، قال تعالى:
“وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا* وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ۖ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا* وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا* وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ۖ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا* وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا* وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا* وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا* لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا”
تبين هذه الآيات أن الجن أقروا بأنهم لا يعلمون الغيب، وأن منهم الصالحين ومنهم غير ذلك، وأنهم كانوا على طرق مختلفة. وأكدوا أنهم لن يستطيعوا الهروب من الله، وأنهم آمنوا بالهدى عند سماعه، وأن المؤمن لا يخاف ظلماً ولا نقصاً. وبينوا أن منهم المسلمون ومنهم الجائرون، وأن المسلمين هم المهتدون، أما الجائرون فمصيرهم جهنم. وأشاروا إلى أنه لو استقاموا على الطريقة المثلى، لوسع الله عليهم في الرزق، وأن من يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً شديداً.
بيان منزلة المساجد والأمر بتوحيد الله
تشير السورة إلى أهمية المساجد وضرورة إخلاص العبادة لله وحده فيها، قال تعالى:
“وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا”
هذه الآية تأمر بتنزيه المساجد عن الشرك ودعوة غير الله، فهي أماكن العبادة الخالصة لله وحده.
ذكر أصول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم
تتحدث السورة عن حال النبي صلى الله عليه وسلم عندما قام يدعو إلى الله، وكيف التف حوله الجن ليستمعوا إليه، قال تعالى:
“وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا* قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا* قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا* قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا* إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللهِ وَرِسَالَاتِهِ ۚ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا* حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا”
تبين هذه الآيات حرص الجن على سماع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره بالدعوة إلى الله وحده، وأنه لا يملك لأحد ضراً ولا نفعاً، وأنه لا يستطيع أحد أن يحميه من الله، وأن رسالته هي البلاغ عن الله، وأن من يعص الله ورسوله فله نار جهنم خالداً فيها، وأن الكفار سيعلمون عند وقوع العذاب من هو أضعف ناصراً وأقل عدداً.
تأكيد انفراد الله بعلم الغيب وحده
تؤكد السورة على أن الله وحده هو عالم الغيب، وأن لا أحد يعلم متى يقع العذاب إلا هو، قال تعالى:
“قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا* عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا* لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا”
توضح هذه الآيات أن علم الساعة خاص بالله وحده، وأن الله لا يطلع أحداً على غيبه إلا من ارتضى من الرسل، وأنه يسخر لهم ملائكة لحفظ الوحي وتبليغه بأمانة، وأن الله محيط بكل شيء وعالم بكل شيء.








