جدول المحتويات
مقدمة حول اللبوس المهبلي والصيام
تعتبر مسألة استعمال اللبوس المهبلي من القضايا الفقهية التي تم تناولها في إطار أوسع يتعلق بمبطلات الصيام ونواقضه. هذه المسألة الفقهية ترتبط بمفهوم أوسع يعرف بالحقنة، وقد تناولها علماء الفقه بتفصيل ضمن مسائل متنوعة، مثل نواقض الصيام والوضوء. وبالنظر إلى الحقنة المهبلية على وجه الخصوص، فقد أولاها الفقهاء اهتماماً خاصاً، وقاموا بتمييزها عن الحقنة الشرجية، نظراً لاختلاف الأحكام المتعلقة بكل منهما في رأي بعض العلماء. وفيما يتعلق بالحقنة المهبلية وعلاقتها بالصيام، فقد ظهرت آراء مختلفة ومتنوعة بين العلماء، مما أثرى البحث في هذه المسألة وجعلها أكثر عمقاً وتفصيلاً.
أحكام اللبوس المهبلي في الصيام عند الفقهاء
اتّفقت المذاهب الفقهية الأربعة – الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة – على أنَّ الحُقنة (التحميلة) بأنواعها المختلفة، سواء كانت شرجية أو مهبلية، تُعد من الأمور التي تُفسد الصيام وتُبطله، وبالتالي فإنها تنقض الصيام وتجعله غير صحيح. كما اتفقوا أيضاً على أنَّ الشخص الذي أفطر بسبب استعمال التحميلة يجب عليه قضاء ذلك اليوم الذي أفطره. إلا أنهم اختلفوا في مسألة الكفارة، وهل تجب الكفارة مع القضاء أم لا، وسنتناول تفصيل ذلك فيما يلي:
المذهب الحنفي:
يرى علماء المذهب الحنفي أنَّ الصائم، سواء كان رجلاً أو امرأة، إذا استعمل التحميلة المهبلية أو الشرجية، فإن صيامه يعتبر فاسداً؛ لأنَّ الحقنة تعتبر مُفسدة للصيام. وبناءً على ذلك، يجب على من أخذ هذه الحقنة أن يقضي ذلك اليوم، ولكن لا تجب عليه الكفارة.
المذهب المالكي:
يعتبر فقهاء المذهب المالكي أنَّ استعمال التحميلة بنوعيها (المهبلية والشرجية) مُفسد للصيام، وعلى من استعملها وهو صائم أن يقضي ذلك اليوم. أما بالنسبة لكفارة الإفطار في الصيام، فهناك رأيان في المذهب المالكي، وهما:
- الرأي الأول: تجب الكفارة مع القضاء.
- الرأي الثاني: يجب القضاء فقط، دون الحاجة إلى كفارة الصيام.
المذهب الشافعي:
يرى فقهاء الشافعية أنَّ تناول التحاميل بأنواعها المختلفة يُفسد الصوم، وعلى من تناولها أن يقضي ذلك اليوم. أما الكفارة، فهي غير واجبة.
المذهب الحنبلي:
استعمال التحاميل بنوعيها يعتبر مُفسداً للصيام ويوجب القضاء. ولا توجد كفارة على من فسد صومه بسبب استعمال التحاميل.
وجهات نظر علماء الإسلام في حكم اللبوس المهبلي أثناء الصوم
على الرغم من اتفاق المذاهب الأربعة على أنَّ استعمال التحاميل بنوعيها (الشرجية والمهبلية) يُفسد الصيام، إلا أنَّ بعض العلماء من تلاميذ المذاهب الأربعة وغيرها يرون أنَّ التحاميل المهبلية لا تُفطّر الصائم. ومن بين هؤلاء العلماء الحسن بن حي، وهو من أتباع التابعين، وهذا هو أيضاً قول الإمام ابن حزم، وهو الرأي الراجح في المذهب الظاهري.
وقد خالف بعض العلماء مذهبهم الفقهي في هذه المسألة. فعلى سبيل المثال، خالف الإمام ابن عبد البرّ المذهب المالكي، حيث قال: “وقد قيل: القضاء في الحقنة استحباب، لا إيجاب، وهو عندنا الصواب؛ لأنّ الفطر مما دخل من الفم، ووصل إلى الحلق والجوف”.
كما خالف شيخ الإسلام ابن تيمية مذهبه الحنبلي، حيث يرى أنَّ التحاميل ليست من المفسدات للصوم ولا من المفطرات. وقد أفتى الشيخ عبد العزيز ابن باز أيضاً بعدم الفطر من الحقنة،
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: “إنّ الحقنة لا تفطّر مطلقاً، ولو كان الجسم يتغذّى بها عن طريق الأمعاء الدقيقة”،
وممن ذهب إلى هذا القول من العلماء المعاصرين الشيخ سيد سابق في كتابه “فقه السنة”.
القول المختار في حكم استعمال اللبوس المهبلي في الصيام
بعد استعراض آراء الأئمة الأعلام من أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة وغيرهم، يمكن القول بأنَّ الرأي الذي يرى عدم فساد الصوم بالتحاميل المهبلية هو الرأي الراجح والأقرب إلى الصواب. وهذا ما قال به المجمع الفقهي الإسلامي، وإن كان مخالفاً لعموم ما عليه أصحاب المذاهب الأربعة -رحمهم الله تعالى-، وذلك للأسباب التالية:
- أنَّ الحُقنة لا تحصل بها التغذية.
- الصيام ركن عظيم من أركان الإسلام، ولو كانت التحاميل مما يفطر الصائم؛ لاستلزم بيانه، ولورد في ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قول، أو لورد في ذلك قول عن بعض أصحابه -رضوان الله عنهم، ولكن لم يرد في ذلك عنهم شيء مطلقاً، ولو ورد في ذلك شيء لنقلوه إلينا.
- الأصل هو صحة الصيام، ولا يجوز إبطاله إلا بدليل.
- أن الأصل بالمفطرات ومفسدات الصيام أن تكون طعاماً، أو شراباً، والتحاميل المهبلية ليست بالطعام، ولا بالشراب، ولا هي بمعنى الطعام، ولا بمعنى الشراب.
قال الله تعالى: “فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (البقرة: 185).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه” (متفق عليه).
خلاصة الرأي الشرعي في استعمال اللبوس المهبلي أثناء الصيام
بناءً على ما تقدم، يتبين أن المذاهب الأربعة ترى أن التحاميل، سواء كانت شرجية أو مهبلية، تفسد الصيام وتوجب القضاء بعدد الأيام التي تم الإفطار فيها، مع عدم وجوب الكفارة عند جمهور العلماء. إلا أن الرأي الراجح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه بعض المتأخرين من العلماء، وهو أن التحاميل المهبلية لا تفسد الصيام، وقد تم توضيح أدلتهم سابقاً. وعليه، فإن المرأة التي استخدمت التحاميل المهبلية وهي صائمة ليس عليها قضاء ولا كفارة، وصيامها صحيح بإذن الله.








