معنى الحاقة والإشارة إليها
تفتتح سورة الحاقة بأسلوب استفهام لتعظيم شأن هذا اليوم العظيم. يقول الله تعالى: (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ). هذا الاستفهام يحمل في طياته تفخيماً وتعظيماً ليوم القيامة، الذي فيه يتحقق وعد الله للمؤمنين بالجنة، ويتحقق وعيده للكافرين بالنار. أما قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ) فهو خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بمعنى: وما أعلمك بحقيقة هذا اليوم العظيم لولا أن الله تعالى قد علمك إياه؟ وقد ذكر بعض العلماء أن كل ما يأتي بصيغة “وما أدراك” فإن الله سيعلمنا به، أما ما جاء بصيغة “وما يدريك” فإنه لم يطلعنا عليه بعد. وهذا فيه دلالة على أهمية التدبر في معاني القرآن الكريم والسعي لفهم دلالاته.
الأمم السابقة وتدميرها
تذكر السورة الكريمة مصائر عدد من الأمم السابقة كعبرة وعظة، وكدليل على صدق وعد الله ووعيده:
قوم ثمود: يقول تعالى: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ). كانت ثمود قبيلة النبي صالح عليه السلام، وقد أهلكهم الله بالصيحة العظيمة التي تجاوزت كل حد، فلم يستطيعوا مقاومتها. وهذا تذكير بأن كل شيء يأتي من عند الله هو بقدر، ولكن عندما يتجاوز الأمر الحد يصبح هلاكاً.
قوم عاد: يقول تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ). عاد هم قوم النبي هود عليه السلام، وقد عوقبوا بريح شديدة الصوت، شديدة البرد، وعقيم لا تحمل أي خير. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ). لقد كانت هذه الريح متتابعة ومستمرة حتى أهلكتهم تماماً وجعلتهم كأصول النخل الفارغة.
فرعون وقومه وقوم لوط: يقول تعالى: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً). المؤتفكات هم قوم لوط، والخاطئة هي الذنب العظيم، أي الشرك. لقد اشترك فرعون والأمم السابقة وقوم لوط في ارتكاب الآثام الكبيرة وعصيان الرسل، فاستحقوا عذاب الله الشديد.
قوم نوح: يقول تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ). يذكر الله قوم نوح وعذابهم بالطوفان ليذكر الأجيال اللاحقة بفضله عليهم، فلولا نجاة آبائهم لما كان لهم وجود. هذه الآية تحمل معنى التذكير بالنعمة والتذكير بعقاب الأعداء.
مشاهد يوم القيامة
تصور السورة الكريمة بعض أهوال ومشاهد يوم القيامة، ومنها:
النفخة في الصور: يقول تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ). هذه النفخة هي إعلان قيام الساعة، حيث يموت كل شيء.
تحريك الأرض والجبال: يقول تعالى: (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً). ترفع الأرض والجبال من مكانها وتدك وتفتت.
انشقاق السماء: يقول تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ). يحين يوم القيامة وتتشقق السماء وتتصدع وتزول.
الملائكة وحملة العرش: يقول تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ). تنزل الملائكة إلى أطراف الأرض منتظرين ما سيحدث للناس، وتأتي الملائكة الثمانية حاملين عرش الرحمن.
عرض الأعمال: يقول تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ). تعرض الأعمال على الله تعالى للحساب والجزاء، ولا يخفى شيء على الله.
مآل صاحب اليمين في يوم الحساب
يقول تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ). تصف هذه الآيات حال أهل اليمين في الآخرة، وهم:
- يأخذون كتبهم بأيمانهم ويدعون الناس لقراءتها فرحاً وسروراً بما فيها من حسنات.
- كانوا مؤمنين بهذا اليوم العظيم وأنه سيقع لا محالة.
- كانوا يظنون أنهم سيلاقون حسابهم بيقين.
- يعيشون في عيشة راضية مرضية.
- يسكنون جنة عالية الدرجات والمكانة، مليئة بالنعيم والثمار الدانية.
أسف أصحاب الشمال على إهمالهم
يقول تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ۜ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ). تصف هذه الآيات حال أهل الشمال، وهم:
- يتمنون الموت الذي لا حساب بعده ولا عذاب.
- يتحسرون على أموالهم وجاههم الذي لم ينفعهم شيئاً.
- تأخذهم زبانية العذاب ويغلون بالأغلال ويرمون في جهنم.
- يغمرون في نار جهنم وهم مقيدون بسلاسل ضخمة.
- سبب كل هذا العقاب هو عدم إيمانهم بالله وعدم طاعته ومنعهم حقوق الناس ومنعهم من الإحسان.
- ليس لهم شفيع ولا قريب ينقذهم من العذاب.
- لا طعام لهم إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون.
يمين الله على صدق القرآن
يقول تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ). يقسم الله تعالى بخلقه كله مما نعلمه ومما لا نعلمه ليؤكد صدق القرآن الكريم وأنه ليس من قول شاعر أو كاهن، بل هو تنزيل من رب العالمين. ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم تقوّل على الله لَأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. والقرآن تذكرة للمتقين، وحسرة على الكافرين، وهو عين اليقين. فلنسبح باسم ربنا العظيم وننزهه عن كل نقص.








