تحليل لسورة النجم على ضوء تفسير الظلال

تحليل وتدبر سورة النجم، استناداً إلى تفسير ‘في ظلال القرآن’ لسيد قطب. نظرة في معاني الآيات ودلالاتها العميقة.

مقدمة

سورة النجم هي إحدى سور القرآن الكريم التي تتناول مواضيع جوهرية في العقيدة الإسلامية. تتضمن السورة إثبات نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتحذير من الشرك، وبيان مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى. يعرض هذا المقال تحليلاً لهذه السورة المباركة، معتمداً على تفسير “في ظلال القرآن” لسيد قطب، بهدف فهم أعمق لمعانيها ودلالاتها.

تفسير الآيات: إثبات الرسالة والوحي

تبدأ السورة بالقسم بالنجم عند هويه، تأكيداً على صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمانته في تبليغ الرسالة. تتحدث الآيات (1-18) عن الوحي الذي تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أنّه لم ينطق عن هوى، بل كان كلامه وحياً من الله:

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ) [النجم: 1-5].

تشير الآيات إلى أن جبريل عليه السلام هو من قام بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، وقد رآه النبي على صورته الحقيقية. وتؤكد الآيات على أن رؤية النبي للوحي كانت حقيقية وليست وهماً أو خيالاً: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) [النجم: 11].

كما تشير الآيات إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء والمعراج، حيث شاهد آيات الله الكبرى.

النهي عن الشرك وتفنيد مزاعم الأصنام

تنتقل السورة في الآيات (19-26) إلى الحديث عن آلهة المشركين، وتوبيخهم على عبادتهم للأصنام التي لا تنفع ولا تضر. تتساءل الآيات عن فائدة هذه الآلهة، وهل قدمت شيئاً يستحق العبادة:

(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ) [النجم: 19-23].

تؤكد الآيات أن هذه الآلهة مجرد أسماء أطلقوها هم وآباؤهم، ولم ينزل الله بها من سلطان. فالأمر كله لله وحده، ولا يملك أحد الشفاعة إلا بإذنه.

توبيخ من ينسبون البنات لله

توبخ الآيات (27-30) المشركين الذين ينسبون الملائكة إلى الله، ويزعمون أنهم إناث. وتؤكد الآيات أن هذا زعم باطل لا يقوم على علم:

(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ * وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ) [النجم: 27-30].

وتدعو الآيات النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإعراض عن هؤلاء الذين تولوا عن ذكر الله، وهمهم الدنيا فقط.

مكافأة المحسنين ومعاقبة المسيئين

توضح الآيات (31-32) أن الله سيجزي المحسنين على إحسانهم، وسيعاقب المسيئين على إساءتهم. وتصف الآيات المحسنين بأنهم الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب والفواحش، وأن الله يغفر لهم صغائر الذنوب:

(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) [النجم: 31-32].

وتنهى الآيات عن تزكية النفس، وتؤكد أن الله أعلم بمن اتقى.

تذكير بما ورد في كتب إبراهيم وموسى

تذكر الآيات بما ورد في صحف إبراهيم وموسى، من أن النفس لا تؤخذ بإثم غيرها، وأن الإنسان لا يحصل إلا على ما سعى إليه:

(أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ * وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) [النجم: 36-42].

وتؤكد الآيات أن إلى الله منتهى جميع الخلق يوم القيامة.

جوانب القدرة الإلهية في الخلق والإحياء

تبين الآيات مظاهر قدرة الله في الخلق والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار. فهو الذي أضحك وأبكى، وهو الذي أمات وأحيا، وهو الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى:

(وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ) [النجم: 43-49].

وتشير الآيات إلى أن الله هو رب الشعرى، وهو النجم الذي كان يعبده بعض الكفار في الجاهلية.

عاقبة الأمم التي كذبت الرسل

تذكر الآيات بعاقبة الأمم التي كذبت الرسل، مثل قوم عاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، وكيف أهلكهم الله بسبب كفرهم وتكذيبهم:

(وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ * هَٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) [النجم: 50-62].

وتدعو الآيات إلى السجود لله وعبادته وحده.

معاني لغوية أساسية في السورة

تحتوي سورة النجم على كلمات ذات معاني عميقة، منها:

  • هوى: السقوط من أعلى إلى أسفل.
  • مرة: القوة والصلابة في الرأي.
  • تدلى: الامتداد من الأعلى إلى الأسفل.
  • قاب: مقدار أو قدر.
  • ضيزى: جائرة ومائلة عن الحق.
  • اللمم: صغائر الذنوب.
  • أجنة: جمع جنين، وهو الولد في بطن أمه.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

استضياءات من سورة النجم

المقال التالي

تحليل وتدبر سورة النجم: من الآية 19 إلى 25

مقالات مشابهة

الأحجار الكريمة في القرآن الكريم: أسماؤها ودلالاتها

تعرف على أسماء الأحجار الكريمة التي ذكرت في القرآن الكريم، أوصافها، والمقاصد الروحية والعلمية من ذكرها في القرآن. اكتشف كيف تشير هذه الأحجار إلى نعم الله ودلالاتها في الآيات القرآنية.
إقرأ المزيد