استيعاب معاني الآيات (19-23) من سورة النجم
في هذه المجموعة من الآيات، يتوجه الخطاب إلى الكفار بأسلوب توبيخي واستنكاري. تسألهم الآيات عن الأصنام التي يعبدونها من دون الله، وعن قدرتها على الخلق أو الأمر والنهي. ثم تنتقل الآيات إلى قضية أخرى، وهي نسبة الكفار الملائكة إلى الله، وجعلهم إناثا، مع أنهم يكرهون الإناث.
الآيات تسلط الضوء على التناقض في معتقداتهم، وكيف أنهم يقسمون قسمة جائرة، حيث ينسبون لله ما يكرهونه لأنفسهم. وتؤكد الآيات أن ما يزعمونه آلهة، وما يدعون أنهن بنات لله، ما هي إلا أسماء لا تحمل أي حقيقة أو دليل على الألوهية أو البنوة.
الأصنام الثلاثة المعروفة عند العرب
- اللات: كانت عبارة عن صخرة عظيمة مربعة، تسمى “بيت الربة”، وكان لها حرم حولها، وتوضع عليها كسوة سنوية في الطائف.
- العزى: كانت عبارة عن شجيرات من نوع “السمر” بالقرب من تهامة، وكان لها حمى، وكانت قريش تعبد العزى، وتزورها، وتقدم لها الهدايا والقرابين.
- مناة: كانت صنما بالقرب من ساحل البحر بين مكة والمدينة، وكان شكلها يشبه البيت، وكان المؤمنون بها يلقون هداياهم فيه.
أما بالنسبة لسؤال هل تفيد آية: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى) الانتقاص من الإناث؟ فالجواب هو أن الذي ينتقص هم الكفار، وهذه الآية تستخدم لحجاج الكفار بأسلحتهم وبحججهم المغلوطة. فكيف تجعلون لله بنات تزعمون أنهن ناقصات، ولذلك تئدونهن؟
إن الله كامل العظمة، فكيف جعلتموه يختار الناقص، ونسبتم إلى أنفسكم اختيار الكامل؟ إن نسبتكم البنات إلى الله قسمة جائرة على طريقتكم، فلو كنتم تعظمون الله حقا لجعلتم الأعظم -بنظركم- للعظيم.
فهم دلالات الآيتين (24-25) من سورة النجم
تتضمن هاتان الآيتان معاني عميقة، من أبرزها ما يلي:
(أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى) سؤال استنكاري يهدف إلى لفت الانتباه إلى حقيقة أن ليس كل ما يتمناه الإنسان يتحقق. والمقصود هنا هم الكفار الذين زعموا أن الأصنام تشفع لهم عند الله. فالآية تنفي هذا الزعم، وتؤكد أن ليس للإنسان ما يتمنى من شفاعة الأصنام.
(فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) هذه الآية تعليل لسبب انتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى، فالآخرة والدنيا بأسرها لله عز وجل، وليس لهم معه أمر من الأمور، ومن جملة ذلك أمنياتهم الباطلة، وأطماعهم الفارغة بأن لهم ما يتمنونه من شفاعة الآلهة يوم القيامة.
فكل ما في الدنيا والآخرة هو ملك لله سبحانه وتعالى، ولا دخل لهذه الأصنام في شيء منه، وهذا تبديد لآمالهم في أن ينالوا خيرا من عبادتها، أو أن تكون وسيلة لهم عند ربهم.
تحليل قصة الغرانيق وصلتها بهذه الآيات في بعض التفاسير
تعتبر قصة الغرانيق من الروايات التي أثارت جدلا واسعا بين العلماء والمفسرين، حيث يرى البعض أنها قصة باطلة لا أساس لها من الصحة، بينما يدافع عنها البعض الآخر. وتتلخص القصة في أن النبي صلى الله عليه وسلم، حينما كان يقرأ سورة النجم، جرى على لسانه: “تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى”، ثم نبهه جبريل على ذلك فرجع، وأخبرهم أن ذلك كان من جهة الشيطان وليس وحيا.
وهناك عدة وجوه لبطلان هذه القصة، من أبرزها:
- مخالفة القطعي من القرآن الكريم: مثل قوله تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ * هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) وقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
- تناقضها مع سورة النجم نفسها: حيث أثبتت السورة أن شفاعة الملائكة -وهي أفضل من أصنامهم- لا ترتجى إلا بإذن الله، قال تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ).
- عدم ثبوتها بأي حديث صحيح مرفوع: فروايات الغرانيق متناقضة فيما بينها، ولا يسلم أي منها من مطعن في السند والمتن. وقد وصفها ابن خزيمة بأنها “وضع من الزنادقة”.
وعليه، فإن قصة الغرانيق من أضعف ما رواه بعض المفسرين في تفاسيرهم، فجميع أسانيدها ضعيفة أو منقطعة، ولم تتصل أسانيدها إلى الصحابة بأي سند صحيح، وهي في جملتها موقوفة على جماعة من التابعين الذين لم يشهدوا القصة، ولم يرووها عمن حضرها من الصحابة.
المصادر والمراجع
- فتح البيان في مقاصد القرآن، [أبصديق حسن خان].
- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي.
- مراح لبيد، [أبنووي جاوي].
- الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي.
- تفسير المراغي، المراغي.
- لسان العرب، ابن منظور.
- الوجيز، الواحدي.
- نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، ناصر الدين الألباني.
- تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين، منقذ السقار.








