مقدمة
تعتبر مسألة التسمية، وهي قول “بسم الله الرحمن الرحيم”، من المسائل الهامة التي تناولها العلماء بالبحث والتفصيل، خاصة فيما يتعلق بالصلاة. يهدف هذا المقال إلى استعراض آراء الفقهاء حول حكم التسمية في الصلاة، سواء في بداية الفاتحة أو السور الأخرى، بالإضافة إلى بيان المواطن التي يستحب فيها ذكر التسمية في الحياة اليومية.
أقوال العلماء في التسمية
اختلف الفقهاء في حكم قراءة “بسم الله الرحمن الرحيم” في الصلاة، وتعددت آراؤهم في هذه المسألة، ويمكن تلخيص هذه الآراء في ثلاثة أقوال رئيسية:
- القول الأول: الوجوب
يرى أصحاب هذا القول أن قراءة البسملة واجبة في الصلاة، تماماً كوجوب قراءة سورة الفاتحة. يستندون في ذلك إلى أن البسملة تعتبر آية من آيات سورة الفاتحة، وما وجب من السورة وجب الجزء منها. وينسب هذا الرأي إلى ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهما-، وهو المشهور في المذهب الشافعي. كما يرون أن الجهر بالبسملة في الصلاة مستحب، تماماً كالجهر ببقية آيات الفاتحة، لأنها جزء لا يتجزأ منها.
- القول الثاني: الاستحباب
ذهب جمهور العلماء إلى أن قراءة البسملة مستحبة في الصلاة، سواء مع سورة الفاتحة أو مع غيرها من سور القرآن الكريم، باستثناء سورة التوبة. يعتمدون في ذلك على وجود البسملة مثبتة في المصحف في أوائل جميع السور، معتبرين إياها آية مستقلة وليست جزءاً من الفاتحة. وينسب هذا القول إلى أبي حنيفة والإمام أحمد في المشهور عنه، وأكثر أهل الحديث. ويستدلون بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين من بعده لم يجهروا بالبسملة في الصلاة، ولو كانت واجبة لفعلوا ذلك.
- القول الثالث: عدم المشروعية
يرى أصحاب هذا الرأي أنه لا تشرع قراءة البسملة في الصلوات المكتوبة، سواء سراً أو جهراً، وإنما تشرع فقط في صلاة النافلة وقيام الليل، ولمن يعرض القرآن عرضاً. وهذا القول هو المشهور في المذهب المالكي، ويعود سبب ذلك إلى أنهم لا يعتبرون البسملة آية من القرآن الكريم أصلاً، فهي ليست آية من سورة الفاتحة ولا آية مستقلة.
ويستحب للمصلي المنفرد أن يقرأ البسملة سراً في بداية الفاتحة من كل ركعة، ولا يستحب قراءتها بين الفاتحة والسورة التي تليها عند الإمام أبي حنيفة وأصحابه، لأنهم لا يعتبرونها آية من الفاتحة، وإنما تذكر للتبرك فقط. ويرى بعض العلماء استحباب قراءتها احتياطاً للخروج من الخلاف، ولكن سراً بين الفاتحة والسورة التي تليها في الصلاة السرية. أما في الصلاة الجهرية، فلا تقرأ البسملة بينهما، لأن ذلك سيؤدي إلى سكتة في وسط القراءة، وهو ما لم يرد عن السلف.
وتجدر الإشارة إلى أن البسملة تعتبر آية من آيات سورة الفاتحة عند قراء الكوفة وجمهور فقهائهم، ولكنهم مع ذلك قالوا بأن السنة أن تقرأ سراً في الصلاة الجهرية، اتباعاً للآثار التي وردت بإخفاء البسملة وعدم الجهر بها.
حكم الجهر بالتسمية
هناك خلاف بين العلماء حول مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية. يرى البعض استحباب الجهر بها، لأنها تعامل معاملة سورة الفاتحة وتأخذ أحكامها، وهذا القول ينسب إلى أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء والقراء. ومن الصحابة الذين قالوا بهذا الرأي: أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمار بن ياسر، وأُبي بن كعب، وابن عمر، وابن عباس، وأبي قتادة، وأبي سعيد، وقيس بن مالك، وأبي هريرة -رضي الله عنهم أجمعين-.
في المقابل، ذهبت طائفة أخرى إلى القول بأن السنة أن يسر بالبسملة في الصلاة الجهرية والسرية على السواء، ونقل هذا الرأي عن الصحابة من مثل: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن الزبير، والحكم، وحماد، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
ويرى الشافعية استحباب الجهر بقراءة البسملة في الصلاة الجهرية، سواء في سورة الفاتحة أو في السورة التي تليها.
أوقات استحباب التسمية
لا يقتصر ذكر البسملة على الصلاة وسورة الفاتحة فقط، وإنما يستحب ذكرها في العديد من المواضع والأحوال، نذكر منها:
- عند الوضوء: حيث تعد البسملة سنة عند ابتداء الوضوء، وإذا تذكرها المتوضئ أثناء الوضوء جاز له أن يذكرها.
- عند دخول المسجد والخروج منه: لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم إذا دخل المسجدَ؛ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وقال: رَبِّ اغفِرْ لي ذنوبي، وافتحْ لي أبوابَ رحمتِك، وإذا خرج صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وقال: رَبِّ اغفِرْ لي ذنوبي، وافتحْ لي أبوابَ فضلِك).
- عند الركوب مطلقاً: سواء كان الركوب طائرة أو سيارة أو دابة، لقوله تعالى: (وَقالَ اركَبوا فيها بِسمِ اللَّـهِ مَجراها وَمُرساها إِنَّ رَبّي لَغَفورٌ رَحيمٌ). [هود: 41]
- عند الذبح والصيد: لقوله تعالى: (فَكُلوا مِمّا ذُكِرَ اسمُ اللَّـهِ عَلَيهِ إِن كُنتُم بِآياتِهِ مُؤمِنينَ). [الأنعام: 118]، ولحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وسَمَّيْتَ فَكُلْ).
- عند البدء بالأكل: لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بيَمِينِكَ، وَكُلْ ممَّا يَلِيكَ)، وللحديث الآخر: (إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ عليه).
- عند دخول المنزل: لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وإذَا دَخَلَ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وإذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالْعَشَاءَ).
- عند الجماع: لما رواه ابن عباس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتَى أهْلَهُ قالَ باسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بيْنَهُما ولَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ).
- عند الخروج من البيت: لما رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا خرَجَ الرَّجُلُ من بَيتِه، فقال: باسمِ اللهِ، تَوكَّلتُ على اللهِ، لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ، قال: يُقالُ حينئذٍ: هُديتَ، وكُفيتَ، ووُقيتَ، فتَتنحَّى له الشَّياطينُ، فيقولُ شَيطانٌ آخَرُ: كيف لك برَجُلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ).
- في المساء وفي الصباح: لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن قال: بسمِ اللهِ الذي لا يَضرُ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ وهو السميعُ العليمِ . ثلاثُ مراتٍ، لم تصبْه فجأةُ بلاءٍ حتى يُصبحَ، ومَن قالها حينَ يُصبحُ ثلاثَ مراتٍ لم تُصبْه فجأةُ بلاءٍ حتى يُمسي).
- عند النوم: لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا أوَى أحَدُكُمْ إلى فِراشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِراشَهُ بداخِلَةِ إزارِهِ، فإنَّه لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عليه، ثُمَّ يقولُ: باسْمِكَ رَبِّ وضَعْتُ جَنْبِي وبِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ به عِبادَكَ الصَّالِحِينَ).
- عند دخول الخلاء لقضاء الحاجة.
- إذا تعثر الشخص أو تعثرت دابته.
- عندما يشعر المسلم بألم في جسده، فيضع يده على مكان الألم ويسمي الله تعالى ثلاثاً.
- عند وضع الميت في قبره.
- عند التيمم.
- عند كل أمر ذي بال، سواء كان عبادة أو أمراً من أمور الدنيا، ومن ذلك: عند إطفاء النور وإضاءته، عند صعود الخطيب للمنبر، عند تغطية الإناء، في أوائل الكتب، وعند الدخول في صلاة النفل.
خلاصة
يتضح مما سبق أهمية التسمية في حياة المسلم، سواء في الصلاة أو في غيرها من الأعمال والأحوال. وقد تعددت آراء العلماء في حكمها في الصلاة، ولكن يبقى الاستحباب هو القول الراجح عند الجمهور. وينبغي على المسلم أن يحرص على ذكر اسم الله في كل ما يفعل، امتثالاً لأمر الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.








