المحتويات
نظرة الإسلام إلى الانزواء عن الأهل والأقارب
يُقصد بالانزواء الاجتماعي تجنب الاختلاط بالآخرين، من خلال عدم الحديث معهم أو الجلوس معهم، وتفضيل الوحدة على ذلك. وقد حثَّ الإسلام على صلة الأرحام، خصوصًا الوالدين، وأشاد بالذين يصلون أرحامهم ويحسنون إليهم ويصبرون على أذاهم. قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21].
وحذر الله تعالى من قطع الأرحام بالانزواء عنهم وعدم مخالطتهم والسؤال عنهم. قال تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23].
وفي الحديث الشريف عن جبير بن مطعم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
﴿لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ﴾ [رواه مسلم].
يفهم من هذه النصوص الشرعية أن الانزواء وعدم مخالطة الأرحام والأقارب، وخاصة الوالدين، أمر غير مستحب في الشريعة الإسلامية. فمخالطة الوالدين والأقارب والإحسان إليهم وإعانتهم هو نوع من أنواع الشكر والاعتراف بالجميل. فلولا الوالدان والأهل والأقارب لما وجد الإنسان للحياة طعمًا، ولما وصل إلى ما وصل إليه من تقدم وازدهار.
المنظور الإسلامي للانعزال عن المجتمع الأوسع
الرأي الأول: قيمة الاختلاط بالمجتمع
يرى العديد من علماء الفقه أن الاختلاط بالناس في المجتمع، والتعامل معهم، وتحملهم، والصبر عليهم أفضل من العزلة. بل قد يصبح الاختلاط واجبًا إذا استدعت الحاجة. وهذا ما كان يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، والصحابة الكرام، والخلفاء الراشدون، والتابعون من بعدهم، وعلماء المسلمين وأفاضلهم.
من فوائد الاختلاط تحقيق المصالح ونفع المسلمين، وحضور شعائر الإسلام الجماعية مثل الصلاة، والحج، والعمرة، وصلاة العيدين، وغيرها. وكذلك تكثير عدد المسلمين، وزيارة المريض، وتشييع الجنائز، وغيرها الكثير من الأعمال الصالحة التي تفوت على المسلم بسبب عزلته عن الناس.
قال الإمام الغزالي -رحمه الله-: “فإن وجدت جليسًا يذكرك بالله في رؤيته وسيرته فالزمه، ولا تفارقه واغتنمه، ولا تستحقره، فإنها غنيمة العاقل، وضالة المؤمن”.
واستدلوا على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التالية:
قوله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103].
وقوله تعالى:
﴿وَأَلَّفَ بَينَ قُلوبِهِم لَو أَنفَقتَ ما فِي الأَرضِ جَميعًا ما أَلَّفتَ بَينَ قُلوبِهِم وَلـكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُم إِنَّهُ عَزيزٌ حَكيمٌ﴾ [الأنفال: 63].
وقوله تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105].
وحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
﴿المؤمنُ الَّذي يخالطُ النَّاسَ ويصبرُ على أذاهم أعظمُ أجرًا منَ المؤمنِ الَّذي لاَ يخالطُ النَّاسَ ولاَ يصبرُ على أذاهم﴾ [رواه ابن ماجة].
الرأي الثاني: متى يكون الانزواء مرفوضًا؟
يكون الانزواء مرفوضًا في المجتمع عندما يكون المسلم قادرًا على مساعدة الناس وتقديم الخير لهم، لكنه لا يفعل ذلك، ويتعمد الانزواء مع علمه بحاجتهم. وفي ذلك مخالفة لتعاليم الإسلام. وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
﴿ما آمَن بي مَن بات شبعانَ وجارُه جائعٌ، إلى جنبِه وهو يعلَمُ به﴾ [رواه الهيثمي].
الرأي الثالث: متى يُفضل الانزواء؟
إذا كان المسلم يعيش في مجتمع تكثر فيه الفتن والمعاصي، ويخشى على نفسه من الوقوع في المحرمات إذا خالط الناس، كمن يسافر لعمل أو دراسة أو مهمة ما، فقد ذكر الفقهاء أن الأفضل له تجنب الفتن والفساد، ولا يخالط الناس إلا بالقدر الذي يتجنب فيه الفتنة والمعصية، إلا إذا كان قادرًا على التغيير وإزالة الفساد والفتنة، فيسعى لإزالتها قدر استطاعته.
الانعزال في الحالات الصحية المختلفة
إذا كان انعزال المسلم عن الناس بسبب حالة مرضية أصابته، كالأمراض النفسية التي تجعل المريض يحب الانعزال ويخاف من مخالطة الناس، فهذه حالة تستدعي العلاج عند المختصين، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها في هذه الحالة.
وعلى صاحب هذه الأمراض أن يبحث عن العلاج ليكون فردًا فاعلًا في المجتمع. أما إذا كان الانعزال بسبب مرض يسبب العدوى وينقل المرض، فهو واجب؛ لأنه ضروري ومؤقت، ولأن الاختلاط في حالة المرض المعدي مضر بالناس، وهو أمر محرم.
المصادر والمراجع
- الشريف الجرجاني، التعريفات.
- مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية.
- أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين.
- أبتمظهر الدين الزيداني، المفاتيح في شرح المصابيح








