التَّعَهُّدَات في الشريعة الإسلامية: نظرة شاملة

نظرة في الشريعة الإسلامية حول نقض العهود. متى يجوز التراجع عن الوعد؟ التزامات العقود المالية والوعود في الهدنة.

أهمية الوفاء بالعهود في الإسلام

إن الالتزام بالوعود والعهود يعتبر من أبرز الصفات التي يتحلى بها المسلمون في معاملاتهم اليومية وأخلاقهم الحميدة. فالوفاء بالعهد يعزز الثقة والمحبة بين الناس، ويساهم في بناء مجتمع قوي ومتماسك. أما نقض العهود، فهو أمر مذموم في الإسلام، وقد حذر منه النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- واعتبره من علامات النفاق.

لقد وجهنا الله -عز وجل- إلى ضرورة الوفاء بالوعود والعهود، كما جاء في قوله -تعالى-:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً). فعلينا أن نقتدي بالأنبياء والمرسلين في الوفاء بوعودهم، والالتزام بعهودهم. والوفاء بالعهد يعتبر ملزماً للشخص إلا في حالات الضرورة القصوى، وإلا فعليه تعويض الطرف الآخر عن أي ضرر لحق به، أو تنفيذ وعده كما تم الاتفاق عليه.

حالات يُمنع فيها العدول عن العهد

إن التراجع عن العهود ليس من شيم المسلمين، فالأصل هو الالتزام والصدق في كل ما يتم الاتفاق عليه. وقد ذم الله -سبحانه وتعالى- مخالفة القول للفعل، كما جاء في قوله -تعالى-:(كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). فالله -عز وجل- يمقت عدم الوفاء بالوعود، وهناك حالات معينة لا يجوز للمسلم أن يتراجع عن وعده فيها، ولا يعذر في ذلك.

لا يجوز نقض العهد إذا تسبب ذلك في إلحاق الضرر بالطرف الآخر، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ). فالعهود التي يترتب على التراجع فيها ضرر للآخرين، لا يجوز للمسلم أن ينقضها.

العدول عن العهود في المعاملات المالية

تجري بين الناس معاملات مالية متنوعة، سواء بين التجار أو بين الأفراد الذين يرغبون في بيع وشراء بعض الأشياء. وقد ذهب الحنفية إلى أن الرضا شرط أساسي لصحة العقود، فالعقود لا تصح إلا بالتراضي بين الطرفين، وإذا انعقدت فهي ملزمة لهما.

ويرى جمهور الفقهاء أن الرضا هو الأصل والأساس في جميع العقود. وما تم الاتفاق عليه بالتراضي لا يجوز فسخه إلا بالرضا أيضاً، لأن فسخ العقود قد يترتب عليه أضرار للمتعاقدين إذا لم يتم بالتراضي، وهذا ما لا يجوز في الشريعة الإسلامية.

العدول عن العهد خلال الهدنة في الحرب

تعتبر الهدنة في الحروب نوعاً من أنواع العهود، وتنقسم إلى قسمين:

  • الهدنة المحددة بوقت: وهي الهدنة التي تنتهي بانتهاء الوقت المتفق عليه بين الطرفين، ولا يجوز لأي من الطرفين خرق هذا العهد، لأن خرق مثل هذه العهود قد يتسبب في وقوع أضرار لأطراف مسالمة التزمت ببنود الهدنة.
  • الهدنة المطلقة: وهي الهدنة التي لا ترتبط بوقت محدد، وإنما بشروط متفق عليها بين الطرفين. وأي طرف يبدأ بنقض هذه الشروط، يعتبر ناقضاً للعهد ومخالفاً للوعود التي كانت قائمة بين الطرفين.

حالات يُباح فيها العدول عن العهد

الأصل في الوعود والعهود بين المسلمين هو الالتزام بها، ولكن هناك بعض الحالات التي يجوز فيها التراجع عن الوعد، وهذا من التيسير على المسلمين في أمورهم إذا أصابهم الحرج في الالتزام بهذه الوعود. وقد ذكر عن الحنابلة: “لاَ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ حُكْمًا”، أي أن الالتزام بالوعد ليس إلزامياً بحكم الشرع، ولكن من صدق المسلم أن يلتزم بعهوده. ومن هذه الحالات:

العدول عن الوعد بالزواج

الخِطبة هي مجرد وعد بالزواج، وهي غير ملزمة للطرفين، لأنها لا تقترن بعقد شرعي يلزم الطرفين. ويستطيع ولي الأمر الرجوع عن الموافقة على الخِطبة إذا رأى في ذلك مصلحة للمخطوبة، وكذلك تستطيع المخطوبة الرجوع عن الخِطبة إذا كرهت الخاطب.

فالزواج هو عقد طويل الأمد، وقد يحقق للمرأة الضرر إذا لم تتراجع عن وعد لا ترغب في إكماله. كما يحق للخاطب أن يعدل عن خِطبته، ولكي لا يتحقق الضرر له، تُلزم المخطوبة حينها برد الشبكة والهدايا وغيرها من الأمور.

العدول عن الوعد بالهبة

العدول عن الوعد بالهبة هو حالة من الحالات التي يجوز فيها التراجع عن الوعود، ولكن هناك أحكام وتفصيلات مهمة وفروق بين الرجوع عن الهبة قبل القبض وبعده. ونذكر ذلك فيما يأتي:

ثبت عن النبي -عليه السلام-:(الذي يَعُودُ في هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَرْجِعُ في قَيْئِهِ). وهذا التشبيه يدل على قبح فعل من يرجع في هبته بعد القبض. وهذا دليل على تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض.

أما قبل القبض، فالرجوع عن الهبة ليس محرماً، ولكنه يعتبر من مخالفة الوعد. وقال جمهور العلماء إنه مكروه، واختار شيخ الإسلام القول بأنه حرام.

ويرى المالكية أنه إذا تسبب الواعد بالهبة للموعود بتكلفة تسببت له ضرراً إذا لم يفِ الواعد بها، فهو حينئذ ملزم بالهبة.

المراجع

  1. سورة مريم، آية: 54
  2. أبوعبدالله البسام ،كتاب توضيح الأحكام من بلوغ المرام، صفحة 411. بتصرّف.
  3. سورة الصف، آية: 3
  4. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن عبدالله بن عباس وعبادة بن الصامت ، الصفحة أو الرقم:9880، حديث حسن.
  5. مجموعة من المؤلفين ،كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 234. بتصرّف.
  6. مجموعة من المؤلفين ،كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 224. بتصرّف.
  7. مجموعة من المؤلفين ،كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 326. بتصرّف.
  8. كمال ابن السيد سالم]،كتاب صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، صفحة 125. بتصرّف.
  9. ابن عثيمين،كتاب فتح ذي الجلال و الإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية، صفحة 303. بتصرّف.
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم:2622، حديث صحيح.
  11. ابن عثيمين،كتاب المعلات المالية أصالة ومعاصرة، صفحة 398. بتصرّف.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

التعقيم الجراحي للقطط: نظرة في الأحكام الشرعية

المقال التالي

نظرة في مسألة إرضاع البالغ

مقالات مشابهة