مقدمة
الكلام الطيب هو أساس التعاملات بين المسلمين، والمسلم الحق يتجنب الخوض في الكلام البذيء أو المسيء. لكن، ماذا عن التجاوزات اللفظية التي تمس الدين الإسلامي؟ هل هي مجرد كلمات عابرة، أم أنها تحمل تبعات خطيرة؟ في هذا المقال، سنتناول بالتفصيل هذه المسألة الحساسة، بدءًا من مفهوم الفحش والتفحش في الإسلام، وصولًا إلى حكم من يتجاوز حدوده في الكلام عن الدين، وشروط التوبة المقبولة، وتأثير ذلك على الحياة الزوجية.
النهي عن الفحش
حثّ الإسلام على تجنب الكلام البذيء أو الفاحش، سواء كان قولاً أو فعلاً. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف ما يؤكد هذا المعنى، حيث قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم:
“(إنَّ اللَّهَ يبغضُ الفحشَ والتَّفحُّشَ، والَّذي نَفسُ محمَّدٍ بيدِهِ لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يُخَوَّنَ الأمينُ ويؤتَمنَ الخائنُ، حتَّى يَظهرَ الفُحشُ والتَّفحُّشُ، وقَطيعةُ الأرحامِ، وسوءُ الجوارِ، والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ إنَّ مَثَلَ المؤمنِ لَكَمثلِ القطعةِ مِنَ الذَّهبِ نفَخَ عليها صاحبُها فلم تَغيَّرْ ولم تَنقُصْ، والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ إنَّ مثلَ المؤمنِ لَكَمثلِ النَّحلةِ أَكَلَت طيِّباً ووضعت طيِّباً، ووقعت فلم تَكْسر ولم تُفسِد).”[١]
فالمؤمن الحق لا يصدر عنه إلا الكلام الطيب والفعل الحسن. أما إذا لجأ المسلم إلى السب والشتم والقذف، فإنه يكون قد ارتكب إثماً يستوجب العقاب. وإذا كان هذا السب أو الشتم موجهاً للخالق عز وجل، أو للدين الإسلامي، فإن الإثم يكون أعظم، والضرر أكبر.
الرأي الشرعي في التجاوز على الدين
أجمع العلماء على أن من سب دينه أو سب خالقه فهو مرتد عن الإسلام، سواء كان ذلك السب صريحاً ومباشراً، أو كان عن طريق الاستهانة بتعاليم الله وأحكامه ورسله. وقد ورد في كتاب الله عز وجل ما يؤكد ذلك، حيث قال تعالى في سورة التوبة:
“(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)”[٢]
فمن سب الله أو رسوله أو دينه، أو استهزأ به، فقد كفر وخرج من ملة الإسلام. هذا حكم واضح وصريح في كتاب الله.
الحكم الشرعي عند الغضب الشديد
هل يختلف الحكم إذا صدرت الإساءة إلى الدين أو رموزه في حالة غضب شديد؟ يرى الفقهاء أنه إذا وصل المسلم إلى حالة من الغضب الشديد تفقده السيطرة على أقواله وأفعاله، فإنه لا يؤاخذ بما صدر عنه. ولكن، كيف يمكن التحقق من هذه الحالة؟ يمكن سؤال الشخص عما فعل، فإذا تذكر ما فعل، فإنه يكون مدركاً لفعله، ويترتب عليه الحكم الشرعي. أما إذا لم يتذكر ما فعل، فإنه يكون قد خرج عن طوره، ولم يعِ أقواله وأفعاله، ويدخل في حكم المدهوش. [٥]
هل تُقبل توبة المسيء؟
اختلف العلماء في قبول توبة من سب الدين أو سب الله على رأيين:
- الرأي الأول: إن توبته لا تقبل، بل يحكم عليه بالقتل لكفره، ولا تجوز الصلاة عليه، ولا الدعاء له بالرحمة، ولا يدفن في مقابر المسلمين. وقد ذهب إلى ذلك فقهاء الحنابلة.
- الرأي الثاني: تقبل توبته إذا علم عنه صدق توبته إلى الله، وأقر بأنه قد أخطأ بحق الله وحق نفسه، ثم وصف الله -سبحانه وتعالى- بما يليق به من صفات الكمال والتعظيم.
ضوابط التوبة النصوح
قال الله سبحانه وتعالى:
“(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)”[٦]
فإذا تاب المسيء من فعله أو قوله، فإن الله يتوب عليه ما دامت توبته صحيحة مستوفية للشروط الشرعية، فهو كغيره من العصاة والمرتدين، إن تابوا قبلت توبتهم. أما شروط التوبة النصوح التي ينبغي توفرها فيمن يريد التوبة من شتم الدين الإسلامي، فهي:
- أن تكون التوبة خالصةً لله سبحانه وتعالى؛ وذلك بألا يكون القصد من التوبة الرياء أو السمعة، أو مخافة مخلوق، أو رجاء نعمة دنيوية ينالها كأن تكون وظيفة أو مالاً أو منصباً.
- أن يندم الذي سب الدين الإسلامي أو الذات الإلهية على ما فعل من الشتائم، والاستهانة بالإسلام وأحكامه وشرائعه، أو شتمه لشيء من ذلك، بحيث يجد في قلبه حسرة لما فعل، وحزناً على ما بدر منه، وأن يرى أن ما فعله سابقاً كان كبيرة من الكبائر، ويجب عليه التوبة عنها، وترك العودة إليها قطعاً.
- أن يعزم على الإقلاع عما فعله من شتم الدين، والإساءة إلى أحكام الإسلام، فلا يبقى مصراً على فعله، يعيده مرة بعد مرة.
- أن يعزم التائب على ألا يعود إلى ذلك الفعل بعد ذلك في المستقبل مهما جرت الظروف، ومهما تغيرت الأحوال؛ وذلك بأن ينوي بقلبه متيقناً، ويعزم مؤكداً أنه لن يعود إلى تلك المعصية ما دام على قيد الحياة.
- أن تكون التوبة في الأوقات التي تقبل فيها، وهي جميع الأوقات باستثناء تلك الأوقات التي جاء التصريح بعدم قبول التوبة فيها، مثل ظهور إحدى علامات الساعة الكبرى، كأن تخرج الشمس من مغربها، أو أن يتوب التائب إذا أدرك أن الأجل قد وافاه، أو إن كان في حالة النزع، لقول الله تعالى:
“(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ)”[٧]
ولقول الله تعالى:
“(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)”[٨]
تأثير التجاوز على العلاقة الزوجية
إذا صدر سب الدين من مسلم، فإنه يخرج من الملة ويعد كافراً، ويجب عليه أن يتوب ويعود إلى الإسلام بالتشهد. فإن كان ساب الدين متزوجاً، فإن خروجه من الملة يجعل زوجته مطلقة منه، لعدم صحة عقد مرتد على مسلمة. وكذلك حال من تسب الذات الإلهية أو الدين الإسلامي، حيث تعد مطلقة من زوجها المسلم، لحرمة التزاوج بينهما. فإن عاد الساب إلى الإسلام يجوز له أن يرجع زوجته إلى عصمته ما دامت في العدة. [٤]
وإذا انتهت العدة، ولم يعد الساب إلى الإسلام، فلا يجوز للزوج أن يرجع زوجته، ولا للزوجة أن ترجع إلى زوجها إلا بعقد جديد، ويتم فيه تحديد مهر جديد. وكذلك الحال إن لم يكن بين المتزوجين دخول شرعي فلا تكون بينهما عدة، ولا يجوز للزوج أن يرجع زوجته ولا يجوز للزوجة أن ترجع إليه إلا بعقد ومهر جديدين. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الطلاقات التي يكون سببها سب الدين لا تنقص عدد طلاقات الزوج المعتبرة له. [٤]
المراجع
- رواه أحمد شاكر، في مسند أحمد، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 11/90.
- سورة التوبة، آية: 65-66.
- محمد صالح المنجد (4-9-2004)،”سب الدّين وهو في حالة غضب شديد”،الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 31-7-2017. بتصرّف.
- سماحة الدكتور نوح علي سلمان القضاة (6-8-2012)،”حكم سب الدّين”،دائرة الإفتاء العام في المملكة الأردنية الهاشمية، اطّلع عليه بتاريخ 31-7-2017. بتصرّف.
- “من سب الدّين في حالة غضب، هل عليه كفارة”،طريق الإسلام، 24-10-2007، اطّلع عليه بتاريخ 31-7-2017. بتصرّف.
- سورة الزمر، آية: 53.
- سورة الأنعام، آية: 158.
- سورة النساء، آية: 18.








