الأسلوب التأريخي في الدراسات العلمية

استكشاف الأسلوب التأريخي في الدراسات العلمية: تعريفه، استخداماته المتنوعة، ومراحله التفصيلية، بالإضافة إلى مزاياه وعيوبه.

مفهوم المنهج التأريخي في البحث

الأسلوب التأريخي في البحث العلمي هو وسيلة للتحقيق النوعي تهدف إلى تجميع البراهين حول الأحداث التي مضت، وتكوين تصوّرات ونظريات عن الوقائع التي حدثت في الماضي. يعتمد هذا الأسلوب على مجموعة من القواعد والآليات المنهجية لتحليل المعطيات المتعلّقة بموضوع تاريخي معيّن. هذا يمكّن الباحث من تجميع المعلومات بصورة منطقية ومتسلسلة حول الأحداث الماضية قيد الدراسة.

بصورة أخرى، يمكن تعريف الأسلوب التأريخي في البحث العلمي على أنّه عملية استقصاء منظّمة للأحداث الماضية بهدف تقديم رواية لتلك الأحداث (بحث مؤرّخ أو غير مؤرّخ). ولا يقتصر الأمر على مجرد تجميع التواريخ والحقائق، أو حتى وصف الأحداث الماضية، بل يشمل كذلك نقدًا خارجيًا يتمثل في التأكد من صحة الأحداث، ونقدًا داخليًا يهدف إلى استكشاف معنى الأحداث. وتجدر الإشارة إلى أن سردًا مبسطًا للتسلسل الزمني لا يُعد بحثًا تاريخيًا، لأنه لا يفسر معنى الأحداث.

نطاقات استخدام الأسلوب التأريخي في البحوث العلمية

يُستخدم البحث التأريخي بشكل رئيسي في مقارنة سجلات الأحداث التاريخية والأنشطة المحيطة بها. كما يساعد هذا النوع من البحث على تنظيم الأحداث التاريخية وتتابعها، والحفاظ على البيانات التاريخية من الضياع. ويُستخدم أيضًا في توظيف فهم التاريخ في إصلاح الحاضر وتطوير المستقبل.

يستخدم المنهج التاريخي في البحث العلمي في الحالات الآتية:

  • الكشف عن المجهول واستكشاف ما لم يُعرف بعد.
  • الإجابة عن التساؤلات التي لم يتم الرد عليها حتى الآن.
  • فحص وتحديد العلاقة بين الأحداث السابقة وتأثيرها على الحاضر.
  • تسجيل وتقييم الأعمال والإنجازات السابقة للأفراد والجهات والمؤسسات.
  • المساعدة في فهم الثقافة الإنسانية، حيث إنّ الفهم الأكثر منطقية لإجراء البحوث التاريخية هو أن الأفراد يمكن أن يتعلموا من الماضي.

خطوات تطبيق المنهج التأريخي في الدراسات

يتضمن الأسلوب التأريخي في البحث العلمي ثلاث خطوات أساسية يجب اتباعها:

جمع الأدلة

يتم جمع الأدلة من خلال تحديد المواد ذات الصلة لاستخدامها كمصدر للمعلومات. يمكن أن توجد الأدلة التاريخية في أشكال متنوعة، وتُسمى المصادر الأولية والمصادر الثانوية للمعلومات.

مصادر المعلومات الأولية: هي المصادر الأساسية للمعلومات، وعادة ما تكون وثائق وعناصر أصلية مرتبطة بالنتائج المباشرة لحدث ما أو تجربة ما. وبشكل عام، يتم إنشاء المصادر الأولية في وقت الحدث التاريخي الذي يتم وصفه أو بالقرب منه. من أمثلتها المستندات القانونية الأصلية، أو القطع الأثرية، أو السجلات، أو أي معلومات أخرى قد تم إنشاؤها في وقت الدراسة، أي أنها معلومات مباشرة. فمثلا إذا كان موضوع البحث هو دراسة عن حرب ما، فستشمل المصادر الأولية الرسائل التي كتبها الجنود إلى عائلاتهم، والمجلات الشخصية، والوثائق العسكرية، ونصوص شهود العيان، والصور، والأزياء الرسمية، والمعدات، والجثث، وتسجيلات الصوت أو الفيديو المسجلة على الهواء مباشرة.

المصادر الثانوية للمعلومات: هي أوصاف أو روايات لأشخاص لا يعتبرون شهود عيان على الحدث أو الذين لم يعرفوا شخصيًا الشخص محل الدراسة، وهم من الأشخاص الذين لم يتواجدوا على الفور في وقت الحدث. كما تتضمن تحليلات للمصادر الأولية التي أعدها أشخاص مؤهلون كالمؤرخين وعلماء الاجتماع. ويمكن أن تكون المصادر الثانوية على شكل السير الذاتية، والمقالات العلمية، والكتب الشعبية، والكتب المرجعية، والكتب المدرسية، وسجلات المحكمة، والمعلومات المخبرية، والموسوعات، والمقالات الصحفية، وحتى إشعارات النعي. ويعتبر الكلام المتناقل شفويا مصدرا أساسيا أو ثانويا حسب نوع الدراسة، حيث تعتبر القصص المنقولة شفهيًا من جيل إلى آخر مصدر مهم لدراسة المجموعات العرقية التي لم تطور نوعًا من التوثيق المكتوب.

التقييم والتحليل

تتضمن هذه الخطوة عملية تقييم المصادر التي ستستخدم للإجابة على سؤال الدراسة، إذ لا بد من تحديد أصالتها ونزاهتها ومصداقيتها وسياقها بدءً من الخطب السياسية إلى شهادات الميلاد. في هذه المرحلة، يتم طرح مجموعة من الأسئلة ويتم تطبيق جميع التقنيات اللازمة لتجاهل الأدلة غير الضرورية أو غير الموثوقة، ومن هذه الأسئلة:

  • من كتبه أو قاله أو أنتجه؟
  • متى وأين؟
  • لماذا؟
  • كيف تم تقديم الدليل في الأصل؟
  • ماذا يقول عن ال؟
  • هل يعكس أي منظور معين؟
  • هل يوجد أوراق اعتماد أو مراجع؟

التدوين والعرض

هما الطريقتان الرسميتان اللتان يتبعهما الباحث وفقًا للبيانات الناتجة عن الخطوتين السابقتين، أي أنه بعد تحليل جميع المعلومات، يتم الانتقال إلى طرح استنتاجات الدراسة التي تجيب عن سؤال الدراسة. كما يمكن التحقق من مجموعة المصادر وتقييمها اللاحق، إذا رغب الباحث في ذلك باستخدام طرق منهجية شبه علمية (مع بعض التعديلات)، إلا أن استنتاجات وروايات التاريخ المستمدة من الدراسة تكون دائمًا خاضعة لذاتية الباحث.

إيجابيات الأسلوب التأريخي في الدراسات العلمية

للمنهج التأريخي العديد من المزايا، من بينها:

  • عدم تأثير الأسلوب التأريخي على الحالة قيد الدراسة.
  • النزاهة والموضوعية التي تضمن عدم تفاعل الباحث مع محور الدراسة الذي يعتمد على المنهج التأريخي.
  • تساعد دراسة البيانات التاريخية على فهم الوقائع الراهنة والتنبؤ بما سيحدث في المستقبل.

سلبيات الأسلوب التأريخي في الدراسات العلمية

للمنهج التأريخي عدد من العيوب، من أهمها:

  • إمكانية عدم اكتمال البيانات التاريخية، واحتمالية فقدانها؛ إذ يمكن تدمير الوثائق بسبب الحروب أو بفعل الزمن.
  • الحاجة إلى الكثير من البحث والتركيز والدقة، لأنه من الوارد أن يكون توثيق التاريخ غير دقيق في كثير من الأحداث.
  • تأثر المنهج التأريخي بالعديد من العوامل التي تحتاج إلى تحليل وتدقيق ودراسة، وبالتالي يعتبر الأسلوب التأريخي معقدًا وواسع النطاق.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

نظرة في المنهج البنيوي وسماته

المقال التالي

المنهج الاستقرائي عند جون لوك

مقالات مشابهة