استيعاب دلالات الآية الكريمة: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)

تحليل وتفسير للآية القرآنية (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) مع شرح معاني الذكر في اللغة والاصطلاح.

مقدمة

في سياق الآيات القرآنية العظيمة، نقف اليوم أمام آية جليلة من سورة الذاريات، تحمل في طياتها توجيهًا ربانيًا عظيمًا، ألا وهي قوله -تعالى-: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ). هذه الآية الكريمة تأتي في سياق حديث السورة عن المكذبين برسالة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، أولئك الذين اتهموه بالباطل، فوجه الله نبيه إلى عدم المبالغة في مجادلتهم، بل التركيز على تذكير من ينتفع بالتذكير.

فقد جاء الأمر للنبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- بالصفح عنهم وعدم الدخول في جدال عقيم معهم، كما جاء في قوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ). هذا لا يعني إهمال الدعوة، بل هو توجيه لإعادة ترتيب الأولويات واستهداف القلوب المستعدة للإيمان والاهتداء، مع الاستمرار في تقديم الموعظة الحسنة للجميع.

المعنى اللغوي والاصطلاحي للذكر

في اللغة العربية، يشير التذكر إلى استحضار المعلومة المحفوظة في الذاكرة وعدم نسيانها. وقد أوضح ابن فارس أن الذكر هو ضد النسيان. أما في الاصطلاح، فالذكر له معنيان رئيسيان، كما بين ذلك الراغب الأصفهاني: الأول هو الحفظ، وهو القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات والمعارف. والثاني هو استحضار تلك المعلومات عند الحاجة إليها.

ويمكن القول إن الذكر نوعان: ذكر بالقلب، وذكر باللسان. وكل منهما قد يكون بعد نسيان، أو يكون نتيجة للمداومة على الحفظ والتذكير المستمر. فالذكر هو استدامة حضور الحق في القلب واللسان.

تفسير تفصيلي للآية

الأمر بالتذكير في قوله تعالى: (وَذَكِّرْ) يحمل في طياته عدة معان متكاملة، يمكن جمعها في ثلاثة جوانب رئيسية:

  1. التذكير بالقرآن الكريم: وهذا يتوافق مع قوله تعالى في سورة ق: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ). فالقرآن هو النور والهداية، والتذكير به هو دعوة للتدبر والتفكر في آياته ومعانيه.
  2. التذكير بفعل الطاعات وترك المنكرات: وهذا هو التواصي بالحق الذي ورد في سورة العصر: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). فالتذكير هنا هو دعوة للالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه.
  3. التذكير بالموعظة الحسنة: وهذا الجانب يهدف إلى ترقيق القلوب وتليينها، كما جاء في قوله تعالى في سورة ق: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).

وباختصار، يمكن القول إن التذكير يشمل التذكير بأيام الله وعذابه ورحمته، كما في قوله تعالى: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ). فالمقصود هو تذكير الناس بعبر التاريخ وأحوال الأمم السابقة، لعلهم يعتبرون ويتعظون.

أما قوله تعالى: (تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، فيشير إلى أن التذكير المستمر سيؤتي ثماره في قلوب المؤمنين، إما بزيادة إيمانهم وتقواهم، أو بهداية الكافر إلى الإيمان. فالذكرى لا تنفع إلا من كان قلبه حيًا مستعدًا لتلقي الحق.

ويمكن تصور أثر التذكير على النحو التالي: إما أن يؤدي إلى إيمان الكافر، وبالتالي يستفيد من ثمرة الذكرى ويصبح مؤمنًا، ويكسب الدعاة أجرًا عظيمًا، أو أن يصر الكافر على كفره، ولكن حتى في هذه الحالة، يستفيد المؤمنون الحاضرون في المجلس، ويكتسب الدعاة خبرة ومهارة في الدعوة، وينالون رضا الله.

المراجع

  • سورة الذاريات، آية: 55
  • سورة الذاريات، آية: 54
  • الشوكاني، فتح القدير، صفحة 110.
  • ابن فارس، مقاييس اللغة، صفحة 358.
  • الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، صفحة 328. بتصرّف.
  • الماوردي، النكت والعيون، صفحة 374. بتصرّف.
  • سورة ق، آية: 45
  • سورة العصر، آية: 3
  • سورة ق، آية: 37
  • الزجَّاج، معاني القرآن، صفحة 58. بتصرّف.
  • سورة إبراهيم، آية: 5
  • برهان الدين البقاعي، نظم الدرر، صفحة 480. بتصرّف.
  • عبد الكريم القشيري، لطائف الإشارات، صفحة 469.
  • الزمخشري، الكشاف، صفحة 405.
  • الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، صفحة 191. بتصرّف.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تدبر في قوله تعالى: “لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى”

المقال التالي

تدبر في آية (ولمن خاف مقام ربه جنتان)

مقالات مشابهة