تدبر في آية (ولمن خاف مقام ربه جنتان)

شرح وتوضيح لقوله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) مع بيان دلالة الخوف وسبب نزول الآية.

فهم معنى (ولمن خاف مقام ربه جنتان)

بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى مصير العصاة والمجرمين يوم القيامة في قوله: (هَـذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ* يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)، [الرحمن: 43-44] ينتقل السياق ليصف حال المتقين المؤمنين الذين خافوا الله وعظموه.

يقول تعالى:(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، [الرحمن: 46] وهذا وعد من الله عز وجل للمؤمنين الذين اتقوه في حياتهم الدنيا، بأن يجزيهم بجنات عظيمة ونعيم مقيم في الآخرة، تكريماً لهم على ما قدموه من عمل صالح وإخلاص في العبادة.

في تفسير قوله تعالى:(جَنَّتَانِ)، يرى البعض أن المقصود هو جنس الجنات وليس فقط اثنتين، وهذا الأسلوب معروف في اللغة العربية، حيث تستخدم صيغة التثنية للدلالة على الجمع والتكثير، وخصوصاً عندما يقتضي السياق ذلك، كما في قوله تعالى:(ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)، [الملك: 4]. هنا، “كرتين” لا تعني مرتين فقط بل مرات عديدة.

وهناك احتمال آخر وهو أن تكون (جَنَّتَانِ) تعني جنتين حقيقيتين، جنة عن اليمين وجنة عن الشمال، وينعم المؤمن بالعيش بينهما. كلا التفسيرين جائز وصحيح، والأهم هو التأكيد على عظمة كرم الله لعباده المؤمنين المتقين.

أهمية الخوف من الله في الآية

الخوف المشار إليه في الآية الكريمة هو الخوف من مقام الله وجلاله. كلمة “مقام” تحمل معنيين هامين: الأول هو الخوف من الله ذاته، أي الخوف من عقابه وغضبه وعذابه الشديد، وهذا الخوف ينبع من شعور عميق في قلب المؤمن. أما المعنى الثاني، فهو الخوف من الوقوف بين يدي الله يوم القيامة، عندما توضع الموازين وتنشر الصحف ويحضر الملائكة.

في ذلك اليوم، يشعر الناس بالخشوع والرهبة لم يسبق لها مثيل، كما قال تعالى:(كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا* وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا* وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى)، [الفجر: 21-23]. كلا المعنيين لكلمة “مقام” وارد ومقبول، وهذا الخوف يعتبر محموداً طالما أنه لا يؤدي إلى اليأس والقنوط من رحمة الله.

يجب أن يكون قلب المؤمن متوازناً بين الخوف والرجاء، فلا يطغى أحدهما على الآخر. الخوف المحمود هو الذي يدفع الإنسان إلى زيادة الأعمال الصالحة تقرباً إلى الله، والابتعاد عن المعاصي والمنكرات خشية عقابه.

الظروف المحيطة بنزول آية (ولمن خاف مقام ربه جنتان)

وردت عدة أقوال في سبب نزول هذه الآية الكريمة. يرى البعض أنها نزلت بشكل عام لجميع من خاف الله، وهذا ما رجحه ابن كثير رحمه الله نقلاً عن ابن عباس رضي الله عنهما. وفي بعض الروايات، قيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عندما شرب لبناً ثم علم أنه من مصدر حرام فاستقاءه خوفاً من الله، أو لأنه تذكر أهوال يوم القيامة فبكى وتمنى لو لم يكن.

وهناك رواية أخرى تقول إنها نزلت في رجل أوصى أبناءه بأن يحرقوه بعد موته وينثروا رماده في أماكن متفرقة، خوفاً من أن يجمعه الله ويعذبه. فغفر الله له بسبب خوفه وأدخله الجنة. إلا أن هذه الروايات لم تثبت بسند صحيح، وبالتالي تبقى الآية عامة وتشمل كل من خاف مقام ربه.

المصادر

  • سورة الرحمن، الآيات: 43-44 و 46
  • سورة الملك، الآية: 4
  • سورة الفجر، الآيات: 21-23
  • التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور
  • القواعد في توحيد العبادة لمحمد بن عبد الله باجسير
  • الجامع لأحكام القرآن لشمس الدين القرطبي
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

استيعاب دلالات الآية الكريمة: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)

المقال التالي

نظرة عامة على تفسير سورة البقرة

مقالات مشابهة