استضائات من سورة الأحزاب

تحليل وتدبر لمعاني سورة الأحزاب، مع استعراض لأهم المضامين والتوجيهات المستفادة من آياتها الكريمة.

تأملات في الآيات (1-6)

تتضمن هذه الآيات الكريمة تثبيتًا لقلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتذكيرًا له بمعية الله ونصره، فلا يخشى كيد الكافرين والمنافقين الذين تجمّعوا لحصاره وحصار أصحابه في المدينة المنورة. لقد همّ النبي عليه الصلاة والسلام بالاستجابة لبعض مطالبهم لرفع الحصار وتخفيف البلاء عن المسلمين. وقد ذكر أنه أرسل إلى عيينة بن حصن عارضًا عليه ثلث ثمار الأنصار مقابل انسحابه بقومه من غطفان وتخذيل الأحزاب، إلا أن المشركين طلبوا نصف الثمار. وعندما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، أشارا بعدم إعطائهم شيئًا إلا السيف.

فأنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّـهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ وَكَفَى بِاللَّـهِ وَكِيلًا). [الأحزاب: 1-3]

كما تضمّنت هذه الآيات أول تشريع في السورة، وهو إبطال عادة التبني، والتأكيد على وجوب نسبة الأبناء إلى آبائهم الحقيقيين. قال تعالى:(ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ) [الأحزاب: 5]. وفي حال عدم معرفة الآباء، فإن العلاقة بينهم تقوم على الأخوة في الدين والموالاة. ثم أوضحت الآيات منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم وزوجاته رضي الله عنهن، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم له حق الطاعة والإجلال كالأب للمسلمين، وزوجاته أمهاتهم، ولهن حق الاحترام والتقدير، ويحرم الزواج بهن من بعده كما سيأتي في السورة. كذلك، قامت الشريعة بمنع التوارث الذي كان قائمًا على التبني أو التحالف، وقررت أن الميراث يكون بين الأقارب، كما قال الله تعالى:(وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّـهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) [الأحزاب: 6].

وقفة مع الآيات (7-15)

تبدأ هذه المجموعة من الآيات بتذكير النبي صلى الله عليه وسلم بالعهد الذي أخذه الله منه ومن سائر الأنبياء، وهو تبليغ رسالة التوحيد ودعوة الناس إلى الحق، وأن الله سيسألهم يوم القيامة عما بلغوا به، وكيف استجابت لهم أقوامهم.

ثم تنتقل الآيات إلى نداء المؤمنين وتذكيرهم بنعمة الله عليهم في يوم الأحزاب، حين حاصرتهم جيوش الكفار التي تجمعت من قريش وغطفان ويهود بني النضير، وكان عددهم يقارب العشرة آلاف رجل. اشتد الحصار على المدينة، فقال المسلمون: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء تقوله؟ قال: “نعم قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا”.

فأرسل الله ريحًا شديدة وجنودًا من الملائكة ألقوا الرعب في قلوب الأعداء، فانسحبوا خائبين، وكفى الله المؤمنين شر القتال. وقد كشفت هذه الغزوة حقيقة المنافقين الذين تخلّفوا عن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، واعتذروا بأعذار واهية كحماية البيوت والنساء، بل كانوا يحرضون المؤمنين على ترك القتال.

إضاءات على الآيات (16-27)

تواصل الآيات الكريمة بيان حال المنافقين والتحذير من عاقبة أفعالهم ومصيرهم السيئ، حيث قال تعالى:(أُولَـئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ) [الأحزاب: 19].

وفي المقابل، تصف الآيات المؤمنين الصادقين الذين ثبتوا ولم يولوا الأدبار واستسلموا لأمر الله، فاستحقوا الثناء والجزاء الحسن. ثم تتناول الآيات ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود بني قريظة الذين خانوا العهد مع المسلمين وتآمروا مع المشركين والمنافقين ضدهم، فتم توكيل سعد بن معاذ رضي الله عنه للحكم فيهم، فحكم بأن يُقتل رجالهم وتُسبى ذراريهم وتُغنم أموالهم.

في رحاب الآيات (28-35)

تخاطب هذه الآيات النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات، حيث تبدأ بأمر من الله بتخييرهن بين البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم والصبر على ضيق العيش، وأن يطلقهن بإحسان ويمتعهن بما يستطيع. فاخترن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ثم أنزل الله توجيهاته لهن بما يجب عليهن من عدم الخضوع بالقول، ولزوم البيوت، وعدم التبرج، وأمرهن بطاعة الله ورسوله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وتعليم ما يسمعنه من رسول الله، حتى لا يصيبه الأذى.

لطائف من الآيات (36-44)

تعود الآيات للتأكيد على إبطال نظام التبني، وتبيّن أن هذا الحكم يشمل النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا، فأمره الله أن يتزوج بزوجة من كان ابنه بالتبني، ليعلم الناس أن التبني لا يترتب عليه أحكام النسب. وتذكر الآيات بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، وأن تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ليس أمرًا جديدًا، بل كان موجودًا عند الأنبياء السابقين، وأنه ليس لأحد الخيرة فيما اختاره الله وفرضه، وإنما الواجب هو التسليم لأمر الله، والإكثار من ذكر الله وتسبيحه في الليل والنهار لنيل رضاه ورحمته.

معاني بليغة في الآيات (45- 48)

تتجدد الآيات بنداء للنبي صلى الله عليه وسلم، وتؤكد عليه بالاستمرار في الدعوة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فهو المبشر بالفضل الكبير لمن آمن وعمل صالحًا، والمنذر لمن عصى وكفر. وبما أن الله أرسله، فهو سيكفيه شر أعدائه ولن يضروه شيئًا.

تدبر في الآيات (49 – 59)

تتضمن هذه الآيات توجيهات خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات، وتوجيهات أخرى للمؤمنين والمؤمنات، وهي توجيهات خاصة بالنساء. فتبدأ بحكم المطلقات قبل الدخول، فلا عدة عليهن، بل لهن المتعة أو نصف المهر، ويحل لهن الزواج مباشرة بعد الطلاق.

الأحكام التي وجهت للرسول صلى الله عليه وسلم ونسائه هي: أنه يحل له صلى الله عليه وسلم ما معه من النساء وإن كن فوق أربعة وما ملكت يمينه وليس عليه حرج، ويحل له ألا يقسم بينهن بالعدل فيضم إليه من يشاء ويؤخر من يشاء، ولكن بعد هذا اليوم لا يحل له أن يتزوج بأخرى ولو طلق إحدى نسائه، ويحل له ما شاء من ملك اليمين.

ثم وُجه النداء للمؤمنين بعدم إيذاء رسول الله، فلا يدخلوا بيوته بغير إذن، ولو أذن لهم في طعام فليأكلوا وينصرفوا، ولا يكلموا أزواجه إلا من وراء حجاب؛ لأن كل ذلك كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذرهم الله من نكاح زوجاته بعد موته أو في حياته. وبين للنساء أنه لا إثم عليهن في عدم الاحتجاب من آبائهن وأبنائهن وإخوانهن وأبناء إخوانهن وأبناء أخواتهن والنساء المؤمنات، وخاطبت الآيات هذه المرة نساء المؤمنين عامة بضرورة التستر عن الرجال وفرض الحجاب على نساء المؤمنين.

دروس وعبر من الآيات (60 – 73)

تحذر الآيات كل من تسول له نفسه إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين والمشركين والمؤمنين؛ فلا يقولوا للرسول إلا ما يرضيه، ولا يكونوا كغيرهم من الأمم التي آذت رسلها، وتذكر المؤمنين بمدى عظم الأمانة التي حملوها لتبليغ رسالة نبيهم عن ربه.

المصادر

  • أبعبد الرزاق الصنعاني،المصنف، صفحة 367. بتصرّف.
  • سورة الأحزاب، آية:1-3
  • محمد سيد طنطاوي،التفسير الوسيط للطنطاوي، صفحة 170. بتصرّف.
  • سورة الأحزاب ، آية:5
  • سورة الأحزاب، آية:6
  • السعدي،تيسير الكريم الرحمن، صفحة 659. بتصرّف.
  • محمد بن جرير الطبري،جامع البيان في تأويل القرآن، صفحة 213. بتصرّف.
  • محمد سيد الطنطاوي،التفسير الوسيط، صفحة 181. بتصرّف.
  • أحمد بن حجر العسقلاني،فتح الباري شرح صحيح البخاري، صفحة 402. بتصرّف.
  • محمد سيد الطنطاوي،التفسير الوسيط، صفحة 181. بتصرّف.
  • عبد الرحمن السعدي،تيسير الكريم الرحمن، صفحة 660. بتصرّف.
  • سورة الأحزاب، آية:19
  • عبد الرحمن السعدي،تيسير الكريم المنان، صفحة 661. بتصرّف.
  • مجموعة من المؤلفين،التفسير الميسر، صفحة 422. بتصرّف.
  • مجموعة المؤلفين،التفسير الميسر، صفحة 423. بتصرّف.
  • محمد سيد طنطاوي،التفسير الوسيط، صفحة 218. بتصرّف.
  • مجموعة مؤلفين،التفسير الميسر، صفحة 224. بتصرّف.
  • محمد سيد طنطاوي،التفسير الوسيط، صفحة 226. بتصرّف.
  • مجموعة مؤلفين،التفسير الميسر، صفحة 425. بتصرّف.
  • عبد الرحمن السعدي،تيسير الكريم الرحمن، صفحة 671. بتصرّف.
  • مجموعة مؤلفين،التفسير الميسر، صفحة 427. بتصرّف.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تدبرات في سورة إبراهيم

المقال التالي

تحليل وتدبر في سورة الأعراف

مقالات مشابهة