دور رعاية المسنين: حقائق إسلامية وأخلاقية

تُسلط هذه المقالة الضوء على دور رعاية المسنين، مع التركيز على المبادئ الإسلامية والأخلاقية المتعلقة بالتعامل مع كبار السن، وحكم وضع الوالدين في هذه الدور.

فهم أهمية دور رعاية المسنين

تُعدّ فئة كبار السنّ جزءًا لا يتجزّأ من المجتمعات الإنسانية جميعها، حيث يعتبر تقدّم الإنسان في السنّ أمرًا طبيعيًّا، وهو امتداد لمسيرة حياته بما فيها من محن وتضحيات وانتكاسات. ولذلك، فإنّ لهذه الفئة حقوق في مختلف الثقافات والحضارات.

لقد لعبت الأمم المتحدة دورًا مُهمًّا في تحديد مبادئ العناية المُثلى بكبار السن، كما أنها حثّت الحكومات على دمج هذه المبادئ في خططها الوطنية. وكما هو مُتوقع، فإنّ فئة كبار السنّ مُكرّمة بشكل خاص في الدين الإسلاميّ، سواءً كان ذلك في فكره أو تشريعاته. تُشير هذه المسألة إلى ضرورة تعاون الناس وتكافلهم وتضامنهم مع بعضهم البعض.

ظهرت دور رعاية المُسِنّين في المجتمع بشكل حديث، وهي عبارة عن دُورٍ مختصّة بإيواء فئة كبار السنّ، من خلال توفير بيئة مناسبة لمن فقد قدرته على العيش بشكل مستقل، سواءً بسبب العجز، أو المرض، أو الشيخوخة.

مبادئ التعامل مع كبار السن

وضعت الأمم المتحدة مجموعة من المبادئ لتوجيه التعامل مع كبار السن، بما يضمن حقوقهم ورفاهيتهم:

مبدأ الاستقلالية

  • ضمان حصول كبار السنّ على القدر الكافي من الماء والغذاء والملابس ومكان للعيش والعناية الصحية.
  • إتاحة فُرَص العمل لكبار السنّ لضمان مدخول مادي لهم.
  • إتاحة فرص المشاركة في البرامج التعليمية والتدريبية لكبار السنّ.
  • ضمان عيش كبار السنّ في بيئة آمنة.
  • إتاحة الفرصة لكبار السنّ للعيش في منازلهم لأطول مدّة زمنيّة ممكنة.

مبدأ المشاركة

  • استمراريّة اندماج كبار السنّ في مجتمعهم، ومشاركتهم في النشاطات الترفيهية، بالإضافة إلى مشاركتهم في النشاطات التي تُتيح لهم نقل خبراتهم للأجيال الشابّة.
  • إتاحة فُرَص خدمة المجتمع لكبار السنّ من خلال تطوّعهم بإنجاز الأعمال التي تتناسب مع قدراتهم.
  • تشجيع كبار السنّ على تشكيل تجمّعات أو رابطات خاصّة بهم.

مبدأ الرعاية

  • الحصول على الرعاية والحماية من عائلاتهم ومجتمعهم، بما يتناسب مع الأعراف والقيم الخاصة بالمجتمع.
  • الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، مع الحرص على توفير الرعاية التي تكفلُ حصولهم على المستوى الذهني والعاطفي والجسدي المثاليّ لهم، وحمايتهم من الإصابة بالأمراض.
  • الاستفادة من الرعاية داخل مُؤسَّساتهم التي تُؤهِّلهم وتحميهم وتحفِّزهم ذهنيّاً.
  • تمتّع كبار السنّ بالحرّية وحقوق الإنسان عند إقامتهم في دُورِ المُسنّين، سواءً لأغراض الحياة أو العلاج، مع ضمان كرامتهم واحترامهم واحتياجاتهم الخاصة.

مبدأ تحقيق الذات

  • تقديم فُرَص تنمية إمكانيّات كبار السنّ تِبعاً لقدراتهم.
  • الاستفادة من الموارد المجتمعيّة، والتي تتمثّل بالموارد الروحيّة والثقافيّة والترويجيّة والتعليميّة.

مبدأ الكرامة

  • العيش بكرامة وأمن دون تعرّضهم للاستغلال أو لسوء المعاملة.
  • معاملة كبار السنّ بعدالة، بغضّ النظر عن أعراقهم أو أعمارهم أو أجناسهم أو حتى حالاتهم الصحية.

أُسُس رعاية المُسنّين في الإسلام

كرّم الإسلام الإنسان، وخصّ فئة المُسِنّين بالاهتمام والرعاية، مع ضرورة احترامهم وتوقيرهم. فقد قال الرسول -صلّى الله عليه وسلم-: (ليسَ منَّا من لم يرحَم صغيرَنا، ويعرِفْ شرفَ كبيرِنا). [٣]

تستند رعاية المُسنّين في الإسلام إلى العديد من الأُسُس:

تكريم الإنسان

أكد الإسلام على تكريم الإنسان واحترام مكانته، فقال الله -عزّ وجلّ-: (وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا). [٥]

رحمة المجتمع

يتميز المجتمع الإسلاميّ بالرحمة والمودّة، حيث شبّه المؤمنين بأنّهم مثل الجسد الواحد، والدليل قول الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم ، مَثلُ الجسدِ . إذا اشتكَى منه عضوٌ ، تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى). [٦]

الإحسان إلى المسنين

يُعتبر الإحسان إلى فئة المُسنّين أحد الأسباب التي تُيسِّر لمَن يرعاهم عدداً من الأشخاص الذين سيهتمّون برعايتهم عندما يكبرون في السنّ، والدليل قوله تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا). [٧]

الشيخوخة كفضل

يُعتبر من الخير للإنسان أن يكبر في السنّ كما ورد في بعض الأحاديث. فقد قال أبو هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (لا يتمنَّى أحدُكم الموتَ، ولا يَدْعُ به مِن قَبلِ أن يأتيَه، إنَّه إذا مات أحَدُكم انقَطَع عمَلُه، وإنَّه لا يَزيدُ المؤمِنَ عُمرُه إلَّا خيرًا). [٨]

حكم وَضْع الوالِدَين في دُور المُسنّين

عظّم الله -عزّ وجلّ- مكانة الوالدين، وقرَنَ رضاهم بأعظم الحقوق في الإسلام، وحثّ على الإحسان إليهم، وعدم إيذائهم بأيّ قول أو فعل. والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا). [٩]

لهذا فإنّ الإسلام لم يُجِز وَضْع الأب أو الأم أو كليهما في دُور رعاية المُسنّين إلّا بعد الحصول على الإذن منهما، وألّا يكون سبب إذن الوالدَين وموافقتهم على هذا هو المعاملة السيئة التي يتلقّونها من أبنائهم؛ لأنّ إذنهم في هذه الحالة لن يُجدي نَفعاً. ولكن يُباح ذلك في حال كان هناك عُذر للابن يوافقُ عليه الوالدان، ولا يتمّ ذلك إلّا بعد أَخْذ إذنهما، وبعد التأكُّد من أنّ الدار التي سيتمّ وَضْع الوالدين فيها ستقدّم الرعاية التامّة واللائقة بمقامهما. ومن هذه الأعذار مثلاً سَفَر الابن وعدم قُدرته على تَرْك أحد والديه دون رعاية.

مُلاحظات أخيرة

تُؤكّد هذه المعلومات على أهمية احترام كبار السنّ ورعايتهم، سواءً في المنزل أو في دُور الرعاية. يجب أن نُدرك أنّ المُسنّين بحاجة إلى الحبّ والرعاية، وأنّهم جزء أساسي من مجتمعنا ويستحقّون أفضل ما يمكن تقديمه لهم.

وفي الختام، نؤكد على ضرورة ضمان العيش بكرامة واحترام لجميع أفراد المجتمع، لا سيما كبار السنّ، الذين يُمثلون تراثنا ومَخزن خُبرتنا.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

دور الأصدقاء في تشكيل السلوك الشخصي

المقال التالي

دليل شامل لدور المعلم في العملية التعليمية

مقالات مشابهة

أساليب الإقناع في الخطاب الإشهاري

يقدم هذا المقال نظرة عامة على أساليب الإقناع الأكثر شيوعًا في الخطاب الإشهاري، بما في ذلك الأسئلة البلاغية، وسرد القصص الشخصية، واستخدام اللهجة الانفعالية، واستخدام المنطق.
إقرأ المزيد

مقارنة بين المدرسة الكلاسيكية ومدرسة العلاقات الإنسانية في الإدارة

تُعدّ كلّ من المدرسة الكلاسيكية ومدرسة العلاقات الإنسانية نظريتين مهمتين في عالم الإدارة، تُركز الأولى على الكفاءة والإنتاجية، بينما تهتم الثانية بالعامل البشري وتحفيزه. نتناول في هذا المقال الفروق بين المدرستين من حيث الهدف، التنظيم، أسلوب العمل، وأسس التوظيف.
إقرأ المزيد