من تمنى الموت أولاً؟

دراسة في تمني الموت عند سيدنا يوسف عليه السلام والسيدة مريم، بالإضافة إلى الأحكام الشرعية المتعلقة بذلك في مختلف الظروف.

محتويات

نبينا يوسف -عليه السلام- وأول من تمنى الفناء

يُروى عن قتادة – رحمه الله – أنه لم يتمنى أحد الموت قبل نبي الله يوسف عليه السلام. وقد يُفسّر هذا القول بأن تمنيه لم يكن رغبة في الموت بحد ذاته، بل في الوفاة على دين الإسلام. وهذا هو الرأي الأكثر قبولاً بين المفسرين. وقد جاء هذا التمني بعد أن منّ الله عليه بنعم كثيرة، اجتمعت له فيها جميع الخيرات: السلطان، والعائلة، والعلم. وكان شعوره بقرب أجله هو الدافع وراء دعائه:

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]

ويُلاحظ أن الإمام القرطبي قد ذكر أن تمني الموت أمر مكروه، لكن تمني يوسف -عليه السلام- يُستثنى لأنه كان جائزًا ضمن شريعته، أو لأنه – كما يرى الجمهور – لم يتمنَّ الموت مطلقاً بل تمنّى الوفاة وهو على الإسلام.

موقف السيدة مريم عليها السلام من الموت

تُعتبر السيدة مريم – عليها السلام – من الذين تمنوا الموت، كما جاء في القرآن الكريم:

﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسِيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: 23]

يُفسّر الإمام القرطبي هذا التمني من زاويتين: الخوف من سوء الظن بها وافتراء الناس عليها، ومن إمكانية تعرضها للتشكيك في دينها، والخوف من إتهامها بالزنا من قبل قومها.

حكم التمنيّ بالموت في الشرع الإسلامي

يُبيّن لنا الشرع الإسلامي حكم تمني الموت في مختلف المواقف، فليس هو حُكماً واحداً في جميع الأحوال.

تمني الموت في مواجهة الفتن

يجوز للإنسان أن يتمنى الموت إذا خاف على دينه ونفسه من فتنة عظيمة. وهناك أحاديث نبوية تدعم هذا الرأي، منها قول النبي – صلى الله عليه وسلم – :

«لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه»

ويُفهم من هذا الحديث أن شدة الفتن قد تدفع المرء لتمني الموت هرباً من تلك المصائب التي قد تُفقده دينه أو ماله أو أهله. وقد كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يدعو الله قائلاً: “اللهم قد ضعفت قوتي، وكبرت سني، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مُقصر”. وهذا يدل على أنه كان يتمنى الموت خشية التقصير في دينه وخدمة أمته. لكن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يُعلّم أصحابه الدعاء التالي:

«لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابَه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي»

وإذن، يجوز تمني الموت إذا كان ذلك من باب التقرب إلى الله، وحباً في لقائه، وليس من باب اليأس أو الكسل.

تمني الموت بسبب اليأس والإحباط

يُنهى عن تمني الموت بسبب أمور دنيوية كالفقر أو المرض أو الخوف، لأن ذلك يدل على قلة الصبر وعدم الرضا بقضاء الله وقدره. يُعتبر تمني الموت في هذه الحالة من قبيل القنوط واليأس من رحمة الله.

المراجع

المصادر المُستخدمة في كتابة هذا المقال ستُدرج هنا لاحقاً.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

بدايات اللغة العربية: تاريخها وتطورها

المقال التالي

سيدنا إدريس، رائد الجهاد في سبيل الله

مقالات مشابهة