مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى. إن المرء عندما يتدبر في هذا العالم، يجد قلبه يفيض ابتهاجًا وسرورًا لما يشاهده من سماء صافية، وسحب بيضاء، وأزهار زاهية الألوان. عندها يتساءل: من الذي أوجد هذا الحسن وصوره؟ إنه الله جل جلاله، خالق كل شيء بديع، لا معبود بحق إلا هو، هو الرزاق لعباده بالنعم الكثيرة الظاهرة والباطنة.
التأمل الأول
لقد أبدع الله هذا الكون في ستة أيام، ونشر فيه خيراته وعطاياه سبحانه وتعالى. يجب على كل إنسان أن يدرك قيمة نفسه وضآلة شأنه أمام عظمة الله جل وعلا. تذكر أيها الإنسان أنك خرجت – كالجميع – من مكان واحد، وأن بدايتك نطفة ونهايتك جثة هامدة. لذا، حري بك أن تتواضع لله الذي خلقك وصورك فأحسن تصويرك.
ومهما بلغ العلم من تقدم، وحقق العلماء من إنجازات عظيمة، فإن قدرة الله تبقى أعظم وأجل. فسبحانه هو من وهب العقل. وهذا يجب أن يكون طريقًا للرجوع إليه سبحانه، وطاعة أوامره واجتناب نواهيه.
براهين القدرة الإلهية
إن الدلائل والبراهين على وجود الخالق جلية وواضحة. يجب على القلب الطاهر أن يستمع لنداء كل قطرة ماء تنزل من السماء، وفي كل نبتة تنمو في الأرض، وفي كل سمكة تسبح في البحر. إذا تفكرنا في هذا كله، كان ذلك سببًا لتحررنا من الأغلال التي تقيدنا، ومن العقبات التي تعترض طريقنا. فقد قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
عندما خلق الله الذوق الرفيع والإحساس بالجمال في الإنسان، أنعم عليه بهذا الإحساس العميق. فالنفس بطبيعتها عبارة عن مجموعة من الأحاسيس والمشاعر التي تجذبها كل مظاهر الجمال. وعندما نتحدث عن الجمال، أول ما يتبادر إلى الذهن هو الطبيعة الساحرة، من الحدائق الغناء متعددة الألوان، والبحار والمحيطات الشاسعة، والسهول الخضراء، والوديان العميقة، وأشعة الشمس المتوهجة، والسماء الصافية، والقمر المنير، والكواكب التي تزين السماء.
إدراك الجمال
يدرك الإنسان الجمال من خلال الحواس التي أنعم الله بها عليه، كالعين والأذن وغيرها من الحواس. وكل ما خلقه الله جميل. هذا الكون يبدو وكأنه عقد ثمين بسمائه وأرضه ونجومه وبحاره ومحيطاته. وهذا الحيوان بجميع أنواعه، في البر والبحر والجو. وهذا الإنسان الذي خلقه الله فأحسن خلقه، وجعل له عينين تبصران هذا الجمال كله في الطبيعة، وفي الكون، وفي الإنسان. هذا الجمال كله في الوجود يدل على جمال الخالق سبحانه وتعالى.
التأمل الثاني
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وصحبه الكرام. أيها الأحبة، يقول نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ، ويحبُّ أن يَرى أثرَ نعمتِه على عَبدِه، ويُبغِضُ البؤسَ والتَّباؤسَ).
فاحمدوا الله على نعمه وآلائه العظيمة، فقد صوركم في أحسن تقويم، ومنحكم الصحة والعافية، وألبسكم لباس الأمن والسلامة، وكرمكم بنعمة الإسلام، وفضلكم على كثير من خلقه. فأدوا حق هذه النعم، واشكروا الله تعالى عليها.
فسبحان من أتقن الجمال ووصف به نفسه تبارك وتعالى، وهو القائل في كتابه الكريم: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِيْ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}. وقال -تعالى-: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}.
فينبغي على المؤمن أن يتفكر في آيات الله الدالة على كمال قدرته، ليقدره حق قدره. فهو القادر على كل شيء، وهو وحده المتصرف في جميع الشؤون والأحوال. فقد قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وقال سبحانه: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}. وقال تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
خاتمة
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على دين الإسلام، وأن يهدينا الصراط المستقيم. ونسأله أن يجعلنا من الشاكرين لنعمه، المتفكرين في خلقه.







