متى تصبح زكاة الفطر واجبة؟
تُعد زكاة الفطر واجبة على كل مسلم عند دخول وقت محدد. اختلفت آراء الفقهاء حول تحديد وقت الوجوب، ودُرست هذه المسألة من خلال قولين رئيسيين:
القول الأول: غروب شمس آخر يوم في رمضان
يُرجح هذا القول أن زكاة الفطر تصبح واجبة على المسلم عند غروب شمس آخر يوم في رمضان. هذا هو مذهب الإمام أحمد والثوري وإسحاق ومالك في إحدى رواياته، بالإضافة إلى قول عند الشافعي والحنابلة.
من الأدلة التي تدعم هذا القول قول ابن عباس -رضي الله عنهما- :
“فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر طهرةً للصائم..”[٢]
يشير هذا الحديث إلى أن وجوب الزكاة ينطبق على كل من أدرك جزءاً من صيام آخر يوم في رمضان.
كما يُعد حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- دليلاً آخر على هذا القول:
“فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدقة الفطر -أوْ قالَ: رَمَضَانَ- علَى..” [٣]
يربط هذا الحديث صدقة الفطر بشهر رمضان، ويُشير إلى أن الإفطار يحصل بغروب شمس آخر يوم من رمضان، مما يُرجح وجوب الزكاة في هذا الوقت.
القول الثاني: طلوع فجر أول يوم العيد
يفسر هذا القول وقت وجوب زكاة الفطر عند طلوع فجر أول يوم من العيد. يميل هذا القول إلى مذهب الحنفية وروايه عند مالك، بالإضافة إلى القول القديم عند الشافعي وبعض فقهاء الحنابلة.
يستدل هذا القول على رأيه بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- :
“فرض النبي -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر، وقال:(أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)” [٤]
يُشير هذا الحديث إلى أن إغناء الفقير عن السؤال لا يتحقق إلا بدفع زكاة الفطر في يوم العيد.
ويُؤكد حديث آخر من ابن عمر -رضي الله عنهما- على هذا القول:
“أَمَرَ بزَكَاةِ الفِطْرِ، أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلَاةِ” [٥]
يُبين هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بإخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، مما يُشير إلى أن وقت الوجوب هو فجر يوم العيد وقبل صلاة العيد.
يُعتبر إخراج زكاة الفطر عبادة تقرب بها المسلم إلى ربه، ويُوجد فيها حق متعلق بالمال الذي سيتم إخراجه في يوم العيد. لذلك، يُستبعد تقديم وقت الوجوب عن فجر يوم العيد كما هو الحال في الأضحية.
إخراج زكاة الفطر قبل وقتها: ما رأي الفقهاء؟
اختلف الفقهاء في جواز إخراج زكاة الفطر قبل وقتها إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز الإخراج قبل العيد
يُرجح الحنفية والحنابلة جواز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين، دون أي مانع شرعي. وقد أفتى بذلك ابن باز. يُستدل على هذا القول بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-:
“وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين” [٧]
يشير هذا الحديث إلى أن الصحابة كانوا يُخرجون زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين.
يُمكن تطبيق قياس على زكاة المال في هذا القول. فكما يجوز للمسلم إخراج زكاة المال قبل أن يملك النصاب، يُمكن إخراج زكاة الفطر قبل دخول وقت الوجوب.
يُحقق إخراج زكاة الفطر قبل وقتها الهدف المنشود، حيث يُمكن للفقراء تأمين حاجاتهم قبل العيد.
القول الثاني: عدم جواز الإخراج قبل العيد
يميل المالكية إلى عدم جواز إخراج زكاة الفطر قبل يوم العيد مطلقاً. يُقاس هذا القول على الصلاة، حيث لا يُجوز للمسلم أن يُصلي قبل دخول الوقت.
يُستدل على هذا القول بأن زكاة الفطر لا يمكن أن تؤديها قبل دخول وقت الوجوب، تماماً كما هو الحال في الصلاة.
القول الثالث: جواز التقديم في شهر رمضان
يُرجح الشافعية جواز تقديم زكاة الفطر ودفعها من بداية شهر رمضان. ولكن، لا يُجوز إخراجها قبل دخول شهر رمضان.
تُعد زكاة الفطر مرتبطة بسببين رئيسيين: الصوم والإفطار في آخر رمضان. لذلك، يُجيز الشافعية التقديم في حالة وجود أحد السببين.
تأخير زكاة الفطر عن وقتها
يُعد تأخير إخراج زكاة الفطر عن الوقت الذي حدده الشارع أمر غير جائز إلا لعذر، لذا من تأخر عليه أن يسرع في إخراجها ويتوب إلى الله، وما يخرجه بعد الصلاة لا يعتبر زكاة فطر؛ وإنما هي صدقة من الصدقات.
“ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات” [٩]
يشير هذا الحديث إلى أن تأخير زكاة الفطر عن وقتها لن يُحقق الهدف المنشود منها.
المراجع
- ناصر الغامدي، أحكام العبادات المترتبة على طلوع الفجر الثاني، صفحة 126-130. بتصرّف.
- رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:1609، سكت عنه وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:1511 ، صحيح.
- رواه ابن الملقن، في خلاصة البدر المنير، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:313، في إسناده أبو معشر المديني وهو ضعيف.
- رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:986، صحيح.
- عبد الله البسام، توضيح الأحكام من بلوغ المرام، صفحة 375. بتصرّف.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:1511، صحيح.
- العمراني، البيان في مذهب الإمام الشافعي، صفحة 367. بتصرّف.
- رواه الدارقطني، في سنن الدارقطني، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم:327، رواته ليس فيهم مجروح.
- سعيد القحطاني، الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 606. بتصرّف.








