جدول المحتويات:
تفسير الضعف البشري
لقد بينت آيات القرآن الكريم حقيقة راسخة عن طبيعة الإنسان، وهي الضعف. وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه الكريم، حيث قال:
﴿يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].
وسنستعرض فيما يلي شرحاً لمعنى الضعف في هذه الآية الكريمة.
الضعف في أصل الخِلقة
يشير الضعف إلى الحالة التي خُلق عليها الإنسان. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في موضع آخر، قائلًا:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: 54].
ونتيجة لهذا الضعف الأصيل، اقتضت حكمة الله أن يخفف عن الإنسان في التكاليف وأن ييسر له أمور الدين.
الضعف أمام الشهوات
يتجلى ضعف الإنسان في قلة صبره وعزيمته أمام مغريات الدنيا وشهواتها. يميل الإنسان بطبعه إلى إشباع رغباته واتباع هواه، مما يستدعي رحمة الله به وتخفيفه عنه. تجلى هذا التخفيف في إيجاد طرق مباحة لإشباع الغرائز، مثل الزواج، وفتح باب التوبة لمن يقع في الذنب.
الآية الكريمة سبقتها إشارة إلى رغبة أصحاب الشهوات في أن يتبعهم المؤمنون في سبيل انحرافهم، وأن يخضعوا للضعف الذي جُبلوا عليه:
﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27].
الضعف الشامل للإنسان
إن مدلول الضعف في الآية عام وشامل لكل جوانب حياة الإنسان. فكلمة “ضعيفًا” جاءت مطلقة لتدل على أن الإنسان ضعيف في بنيته الجسمانية، وفي قدراته العقلية والعلمية، وفي إرادته وعزيمته، وفي صبره وتحمله. وهذا الضعف الشامل يستدعي التخفيف من الله تعالى فيما ينوء بحمله.
دلالات التخفيف الإلهي
يشمل التخفيف الإلهي معاني واسعة وعديدة، نذكر منها:
التخفيف في الفرائض
لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن ييسر على عباده في الأوامر والنواهي الشرعية، بحيث لا يشعر المسلم بعنت ومشقة في القيام بها. فالحكمة من رفع الحرج وعدم المشقة في التكاليف هي التخفيف على العباد، وتشجيعهم على الاستمرار في أداء العبادات، وعدم الانقطاع عنها، وعدم بغضها أو كراهيتها. كما أن التخفيف في التكاليف يهدف إلى ألا تشغل العبادات الإنسان عن أعماله الأخرى وواجباته تجاه نفسه وأهله ومجتمعه.
التخفيف بقبول التوبة
من مظاهر رحمة الله بعباده وتخفيفه عنهم أنه فتح لهم باب التوبة ليتمكنوا من العودة إليه كلما أذنبوا. وهذا يجعل المسلم دائم الإقبال على الله تعالى، الذي يغفر الذنب ويتجاوز عن الخطأ، فيتخفف الإنسان من ثقل الذنب وتأنيب الضمير.
الحكمة من الضعف الإنساني
يمكن إجمال الحكمة من خلق الإنسان ضعيفًا في النقاط التالية:
- إدراك الإنسان أن أي قوة يمتلكها في حياته، سواء كانت في مقاومة الشهوات أو الأمراض، هي منحة من الله تعالى.
- تذكير الإنسان الدائم بضعفه يبعد عنه الكبر والغرور.
- التكليف في حدود استطاعة الإنسان، فلم يأمر الله بشيء يعجز عنه، وشرع الرخص في العبادات، مثل جواز الصلاة جالسًا للمريض.
- حاجة الإنسان إلى الكثير من الأشياء تدفعه إلى العمل والسعي والتحرك. فلو كان قويًا ومستغنيًا، لما تحرك ولا سعى.
- ضعف الإنسان يجعله مفتقرًا إلى الله تعالى، وهذا من أوسع أبواب التذلل والتقرب إليه.
تجليات الضعف البشري
تتعدد مظاهر الضعف في حياة الإنسان، ومن أبرزها:
- محدودية إدراك الإنسان، رغم التقدم المعرفي الكبير، خاصة فيما يتعلق بجسمه. فما زال الكثير عن الدماغ والأنسجة والسوائل مجهولاً.
- الإبصار يخضع لشروط ومعطيات زمانية ومكانية وثقافية محددة. فالإنسان لا يستطيع رؤية الأمور إلا من زاوية معينة، وهذا يفسر الاختلاف في وجهات النظر.
- العجز عن إدراك الحقائق الكونية دفعة واحدة، فالحقائق تتكشف للإنسان تدريجيًا.
- عدم اليقين بما سيحدث في المستقبل، مهما بلغ إدراك الإنسان للظروف والعوامل المحيطة به. فلا أحد يعلم ماذا سيحدث بعد ساعة أو يوم أو شهر.
- الإمكانات المحدودة التي يمتلكها الإنسان لفهم الواقع بكل تفاصيله ومشكلاته وخباياه.








