فهْم العلم والمعرفة: رحلة في عالم المعارف
تُعدّ المعرفة والعلم ركيزتين أساسيتين في بناء الحضارات وتقدمها. فالعلم، بمنهجه الدقيق ونتائجه الملموسة، يُمكّن الإنسان من فهم الكون من حوله، بينما تُشكل المعرفة قاعدة واسعة من الخبرات والمعلومات التي تُلهم الفكر وتُغني الحياة. لكن ما الفرق بين هذين المفهومين، وما هي خصائصهما؟
ماهية العلم
يُعرّف العلم لغوياً بأنه إدراك الأمور على حقيقتها، وهو مصدر الفعل “علم” وجمعه “علوم”.[1] أما اصطلاحاً، ففيه اختلاف، فبعضهم يعتبره مرادفاً للمعرفة، بينما يرى آخرون أنه أعمق وأشمل.[2] يُمكن القول أن العلم نظام معرفي يُعنى بدراسة العالم المادي والظواهر الطبيعية، مُعتمداً على الملاحظة، والتجربة، ووضع النظريات والقوانين. [3] ويتوسع مفهوم العلم ليشمل أيضاً دراسة سلوك الإنسان، كما في علم الاجتماع مثلاً.[4]
يتضمن العلم مجالاتٍ واسعة كعلم الفيزياء، والكيمياء، وعلم الأحياء، وعلم الأرض، وغيرها الكثير.[5]
خصائص العلم المميزة
يتسم العلم بصفاتٍ متعددة، من أهمها:[6]
- الجانب التراكمي: يُبنى العلم على ما سبقه، فكل اكتشاف يُضاف إلى ما هو موجود، ما لم يُثبت خطأه. هذا التراكم يساهم في تقدم المجتمعات.
- الدقة: يتميز العلم بدقته الشديدة، وغالباً ما يستخدم لغة الرياضيات للتعبير عن هذه الدقة.
- التجديد والتطور: العلم ديناميكي، يتطور باستمرار ويُصحح نفسه بنفسه.
- التنظيم والترابط: يُنظّم العلم الأفكار ويربط بينها بشكلٍ منطقي.
- الشمولية: تُطبق قوانين العلم على مختلف الظواهر.
- التأثير المتبادل مع المجتمع: يتأثر العلم بالمجتمع، كما يؤثر فيه بشكلٍ عميق.
- الشمولية العالمية: العلم ملكٌ للبشرية جمعاء، ويتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
- البحث عن الأسباب: يهدف العلم لفهم أسباب الظواهر وتفسيرها.
- استخدام أدوات خاصة: يعتمد العلم على أدواتٍ خاصة لدراسة الظواهر.
ماهية المعرفة
لغةً، المعرفة مصدر الفعل “عرف”، وتعني إدراك الشيء على حقيقته. [7] وهي نتاجٌ للتعلّم عبر العصور، وتشمل ما تم اكتشافه، وتعلمه، وفهمه عبر التاريخ. [8,9] كما تتضمن الخبرات والمشاعر التي يكتسبها الإنسان من خلال تفاعله مع الآخرين. [10] يمكن تعريفها أيضاً بأنها عملية الاطلاع والتعلم المتعمق للحصول على معلومات حول موضوع معين، والفهم الذي يكتسبه الفرد من خلال دراسته. [11]
اصطلاحاً، المعرفة هي نتاج تفسير الإنسان وتعليله للظواهر المختلفة، وهي غالباً معنوية وليست مادية، لكنها قابلة للقياس. [12] يمكن الحصول عليها من خلال التجربة، أو استخدام العقل، أو دراسة التاريخ. [13]
خصائص المعرفة المُلهمة
تتميّز المعرفة بالخصائص التالية:[14]
- التصنيف: يمكن تصنيف المعرفة حسب مجالاتها.
- الانتشار والاشتراك: تنتشر المعرفة وتُشارك بين مختلف الشعوب.
- التوليد: تُولد المعرفة من خلال التحليل والتركيب والبحث العلمي.
- التطور: تتطور المعرفة باستمرار ولا تستهلك بالاستخدام.
- التخزين: يمكن تخزين المعرفة بوسائل مختلفة، من الكتب إلى الحواسيب.
- الفناء: تتلاشى المعرفة بموت أصحابها إذا لم تُنقل للآخرين.
- الامتلاك المشترك: المعرفة متاحة للجميع، وسبل الحصول عليها متعددة.
الاختلافات بين العلم والمعرفة
لفهم الاختلاف بين العلم والمعرفة، يجب النظر إلى الفروقات اللغوية والاصطلاحية:
الفروقات اللغوية
للعلم والمعرفة دلالات لغوية متقاربة، لكنها ليست متطابقة. العلم في اللغة يعني الدلالة والإشارة، والشعور، وما يُضاد الجهل. [15, 16] أما المعرفة، فهي ما يُضاد النكر، وقد وردت بمعنى المجازاة. [17] يحتاج العلم لمفعولين، كما في قوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) [18]، بينما المعرفة تحتاج لمفعول واحد، كما في قوله تعالى: (فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) [19].
الفروقات الاصطلاحية
اصطلاحاً، هناك اختلافات جوهريّة. العلم لا يُفيد دون الصفة، بينما المعرفة تُفيد حتى بدونها. [20] العلم يُكتسب، بينما المعرفة تُدرك. العلم ضد الجهل، والمعرفة ضد الإنكار. [21] يرتبط العلم بصفات الشيء، بينما المعرفة بذاته. العلم عام، والمعرفة تفصيلية. [22] باختصار، كل معرفة علم، لكن ليس كل علم معرفة.








