يهدف هذا المقال إلى تقديم استعراض شامل للفهم الشمولي للقرآن الكريم، مسلطاً الضوء على مفهومه، تاريخه، المراحل التي مر بها، الخطوات المنهجية التي يعتمد عليها، وأهميته في فهم كتاب الله فهماً أعمق وأكثر شمولية.
تعريف بالتفسير الشمولي
يعتمد الفهم الشمولي لآيات القرآن الكريم على محورين أساسيين: الأول، إبراز الترابط الداخلي لسور القرآن، وذلك بدراسة السورة كوحدة متكاملة، لإثبات الانسجام بين أجزائها وبيان القاسم المشترك بين مواضيعها، لتظهر السورة وكأنها تتناول قضية واحدة مترابطة الأجزاء. أما المحور الثاني، فهو التركيز على قضية معينة والبحث عنها في جميع سور القرآن الكريم، وذلك بجمع الآيات التي تتناولها وتفسيرها بشكل يوضح معانيها، ويجمع شتاتها، ويكشف عن جوانبها المختلفة.
نشأة وتطور الفهم الشمولي للقرآن
لقد مر الفهم الشمولي للقرآن الكريم بمراحل متعددة عبر التاريخ، ساهمت كل مرحلة منها في إرساء دعائمه وتطوير منهجه.
المرحلة التأسيسية
يمكن اعتبار البدايات الأولى للفهم الشمولي متزامنة مع نزول الوحي، حيث كان الصحابة الكرام يسألون النبي -صلى الله عليه وسلم- عن معاني الآيات التي تشكل عليهم، فيقوم بتفسيرها وتوضيحها، وهذا ما يعرف بتفسير القرآن بالقرآن، وهو جوهر الفهم الشمولي. فعن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه-:
“لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا} [الأنعام: 82] إيمَانَهُمْ بظُلْمٍ شَقَّ ذلكَ علَى المُسْلِمِينَ، فَقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قالَ: ليسَ ذلكَ إنَّما هو الشِّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا ما قالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ باللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]).”
هذا النوع من التفسير يساعد على إزالة التعارض الظاهري بين الآيات، وذلك بتفسير بعضها ببعض، فما ورد مجملاً في موضع، فصل في موضع آخر، وما ورد مطلقاً في موضع، قيد في موضع آخر. ومن الأمثلة على ذلك قول الله تعالى:
“وَعَلَى الَّذينَ هادوا حَرَّمنا ما قَصَصنا عَلَيكَ مِن قَبلُ” [النحل: 118]،
والتي تحيل القارئ إلى آية أخرى في سورة الأنعام تفصل ما حرم على بني إسرائيل:
“وَعَلَى الَّذينَ هادوا حَرَّمنا كُلَّ ذي ظُفُرٍ وَمِنَ البَقَرِ وَالغَنَمِ حَرَّمنا عَلَيهِم شُحومَهُما إِلّا ما حَمَلَت ظُهورُهُما أَوِ الحَوايا أَو مَا اختَلَطَ بِعَظمٍ ذلِكَ جَزَيناهُم بِبَغيِهِم وَإِنّا لَصادِقونَ” [الأنعام: 146].
كما أن قيام علماء الفقه بتجميع الآيات التي تتحدث عن موضوع معين، مثل الصلاة أو الزكاة، تحت باب خاص بها، يعتبر أيضاً من البذور الأولى للفهم الشمولي.
المرحلة اللغوية
شهدت هذه المرحلة تطوراً في الفهم الشمولي، حيث بدأ التركيز على دراسة معاني الألفاظ القرآنية وبيان دلالاتها المختلفة بحسب السياق الذي وردت فيه. ومن المؤلفات التي ظهرت في هذه المرحلة كتاب “الأشباه والنظائر في القرآن” لمقاتل بن سليمان البلخي، وكتاب “التصاريف” ليحيى بن سلام، وكتاب “المفردات في القرآن” للراغب الأصفهاني، وكتاب “نزهة الأعين النواضر في علم الوجوه والنظائر” لابن الجوزي.
المرحلة التجميعية
تميزت هذه المرحلة بظهور مؤلفات تبحث في سور القرآن وآياته من ناحية الترابط بينها دون الاقتصار على المعنى اللغوي. ومن الأمثلة على ذلك كتاب “الناسخ والمنسوخ” لأبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب “أحكام القرآن” للجصاص، وكتاب “تأويل مشكل القرآن” لابن قتيبة، وكتاب “أسباب النزول” لعلي بن المديني. وقد استمر تدوين الكتب التي تركز على موضوعات محددة من القرآن الكريم إلى الوقت الحاضر، مثل الكتب التي تتناول الأخلاق في القرآن، أو المرأة في القرآن، أو الرحمة في القرآن.
المرحلة الحديثة
تطور الفهم الشمولي للقرآن بالتزامن مع التفسير العام لآياته، واستمر هذا التطور حتى ظهور مدرسة المنار في العصر الحديث، والتي اهتمت بدراسة دلالات سور القرآن وآياته ومقاصدها، مع إسقاطها على واقع الأمة ومستجداتها الراهنة. ويعتبر الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا من الرواد الذين ساهموا في نشأة الفهم الشمولي بشكله الحديث. فقد اعتمد محمد عبده منهج تفسير القرآن بالقرآن، بينما ركز رشيد رضا على دراسة موضوعات السور الرئيسية ووضع ملخصات لها، كما صنف سور القرآن وآياته تبعاً للشواهد المستفادة منها.
كما برز أمين الخولي كباحث دعا إلى انتهاج الفهم الشمولي للقرآن من ناحية أدبية، حيث رأى أن التفسير المقتصر على آية معينة لا يحقق الفهم الصحيح والكامل لآيات كتاب الله. وقد اعتمد الخولي في تفسيره على جمع الآيات التي تتحدث عن الموضوع الواحد، ثم النظر في زمن نزولها ومناسبة نزولها للأحداث والوقائع المختلفة.
الأسس المنهجية للفهم الشمولي
يتطلب الفهم الشمولي لآيات القرآن الكريم اتباع منهجية خاصة تتضمن عدة خطوات:
- اختيار القضية المراد دراستها في سور القرآن الكريم وآياته.
- جمع كل الآيات التي تتحدث عن القضية المختارة، سواء كانت مدنية أو مكية.
- ترتيب الآيات حسب زمن نزولها.
- النظر في الأحاديث النبوية التي تتحدث عن القضية نفسها، والاستئناس بما جاء في الآثار المنقولة عن سلف الأمة وعلمائها.
- دراسة أسباب نزول آيات القضية المختارة، مع مراعاة مناسبة ورود كل آية في موضعها من كتاب الله.
- دراسة الآيات دراسة متكاملة، مع مراعاة أمور مهمة تضمن عدم تحميل النص معان غير مقصودة لذاتها، مثل دفع شبهات التعارض بين النصوص، وإظهار الناسخ والمنسوخ، والتوفيق بين المقيد والمطلق.
- إعادة صياغة القضية بشكل إبداعي.
أوجه الفهم الشمولي
تتعدد أوجه الفهم الشمولي وأنواعه، ومنها:
- تفسير المصطلحات القرآنية: وذلك بتتبع مصطلح معين في كتاب الله ودراسة جميع المواضع التي ذكر فيها، ثم استنباط معاني الآيات التي اشتملت على ذلك المصطلح.
- تفسير آيات القرآن بالبحث في مواضيعها: وذلك باختيار قضية معينة وإحصاء جميع الآيات التي تتحدث عنها، ثم تفسير دلالاتها ومعانيها المختلفة.
- تفسير السور باعتبار وحدتها في الهدف والغاية: وذلك بالتركيز على مقاصد السورة وتحليل أجزائها للوقوف على المواضيع الفرعية التي تتحدث عنها، والوصول في النهاية إلى دراسة تحليلية تهدف إلى إظهار الوحدة الشاملة لآيات السورة الواحدة.
خصائص الفهم الشمولي
يتميز الفهم الشمولي للقرآن بالعديد من الخصائص، منها:
- الاعتماد على تفسير القرآن بالقرآن.
- التعمق في آيات القرآن واستنباط أسرارها.
- التعرف على سنن الهداية الإلهية للخلق.
- تحقيق زيادة الإيمان في النفس.
- الفهم العميق لآيات كتاب الله.
- تصنيف آيات كتاب الله وفق الموضوعات المشتركة بينها.
- تمكين الباحث من الرد على ما يثار من الشبهات حول آيات القرآن.
- دفع شبهات التعارض بين دلالات آيات كتاب الله.
- تمكين الباحث من الاطلاع على الأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الصحابة التي تتعلق بموضوع الآيات.
- إسقاط الحقائق والإشارات التي يتم التوصل إليها على واقع الأمة.
- تمكين الباحث من الإحاطة الكاملة بمواضيع كتاب الله.
خلاصة
الفهم الشمولي للقرآن الكريم يمثل مدخلاً مهماً لفهم كتاب الله فهماً أعمق وأكثر شمولية، ويساعد على استنباط الأحكام والتشريعات التي تساهم في بناء مجتمع إسلامي قوي ومتماسك.








