الجدة.. رمز العطاء
الجدة هي الحضن الدافئ، والملجأ الآمن. هي السند الذي نتكئ عليه في مواجهة صعاب الحياة. الجدة هي تلك الشخصية الفريدة التي تجمع بين الحكمة والخبرة والعطف والحنان.
عبق الجدة
للحب والأمان رائحة مميزة لا نشتمها إلا من أحبابنا، ومن بين هؤلاء الأجداد. للبركة في البيوت أسباب، ومن أهمها وجود إنسان متيم بحب الله. كل هذه الأمور مجتمعة نجدها في جدتي. رائحة جدتي كبستان يضم أجمل الزهور، يذكرني بتلك القامة المقدسة. إنها طيف من الطهارة والصدق والأمن.
عبير جدتي كبحيرة صافية لا نهاية لعطرها، صورتها محفورة في قلبي وروحي وذاكرتي. كم أحب جدتي وحضنها الدافئ، الذي يجمع كل المتناقضات. هي بحر هائج، وهي الأمان في هذه الحياة. عندما أبحث عن مكان أستقر فيه، لا أجد سواكِ يا جدتي.
أحبك يا جدتي وأقدر حكمتك التي تجلت في أفعالك وهمساتك. أشتاق إلى طيبتك التي تفوق طيب الورد. لا مثيل لجدتي التي عرفت بصبرها وهدوئها، والتي أسرت القلوب قبل العقول. أحبك يا جدتي، فكم تملكين من الحضور الذي يفرض الاحترام على كل من رآكِ.
الجدة.. قلب من ذهب
هل رأيتم كيف تجتمع الشيخوخة مع براءة الطفولة في شخص واحد؟ هل رأيتم الذكاء والفطنة مع البساطة في آن واحد؟ أنا رأيت هذا التجسيد في جدتي. تلك الإنسانة البسيطة التي ربما لم تتعلم الكثير، ولكن قلبها كان ولا يزال من ذهب. قلبها يشع جواهر كريمة تضيء كل زواياه. إضافة إلى قلبها الذهبي، كانت تملك صوتًا ذهبيًا لم تستخدمه إلا لإسعادنا.
جدتي هي تلك الأنفاس العتيقة التي أحبت الحياة رغم كل ما عانته، فمنحتها الحياة بالمقابل قلبًا ذهبيًا. هي امرأة انحنى التاريخ أمامها إجلالًا لطيب أخلاقها وحسن كلامها. أفتخر بأني حفيد لامرأة لن يكررها التاريخ. كانت تعطف على صغارنا فبادلناها الاحترام، وتنصحنا حبًا فبادرنا للاستماع. لم تكن كغيرها من المسنات، بل كانت دائمًا تصلي وتتضرع إلى الله ليحفظنا في حياتنا.
على الرغم من بلوغها الثمانين عامًا، لم تفقد روح الدعابة أو الرغبة في الحياة. لم أسمعها يومًا تشكو أو تتذمر، ولم يجد اليأس طريقًا إلى قلبها. رائحة جدتي هي تلك الرائحة التي تعبق في ملابسها وأدراجها وغرف منزلها، كرائحة الزهور الندية التي تبعث السرور في حياتنا، وترتبط بذكريات الماضي الجميلة.
ستبقى الجدة متميزة بحنانها وعطفها وحبها، لأنها إنسانة لا تتكرر. هي رمز للدين والطهر بصلاتها وخشوعها، ورمز للحكمة بكلامها الذي يتناثر كالدرر. أحمد الله على وجودها في حياتي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”.
ذكريات في بيت الجدة
في أركان بيت جدتي أجد القوة والحنان والثبات والاستمرار في العطاء. كم هو مهم وجود الجدة في الأسرة! أحببتك يا جدتي كما لم أحب أحدًا من قبل، أحببتك كما أحب طفولتي، لأن حبك تجسد برموز لا يمكن أن تعوض. أحببتك كما أحببت بيتنا القديم بدفئه وشجرة التين ودالية العنب المتعرشة على جدرانه.
أحببتك يا غاليتي كما أحببت النقاء المتمثل بقطرات الماء النقية في بحيرتك الصغيرة ونافورة بيتك. رغم كل ما في داخلي من غموض، استطعت أن تفهميني ببساطتك، كتلك البساطة والوضوح المتمثلة بجدران بيتك وتقاسيمه. ولا زلت أحبك وسأبقى أحبك، فزوايا بيتك امتلأت بخفقات القلب العاشق، وجذوري نشأت بين جدران منزل أسس على الحب، وسيبقى ينبض بالحب والحنين.
منزل جدتي ملأته بما تعده يداها، وكثيرًا ما كنت أجلس على مقربة منها لأرمقها بعيني الصغيرتين اللتين تتابعان ما تقوم به، وقلبي ينبض حبًا وحنينًا بين يديها ويدِ ما تعده. كانت جدتي تتفنن بصنع الوسائد القاسية جدًا كالصخر لتحمينا من رطوبة الجدران. أعشق مراقبة كل زاوية كانت تقبع بها جدتي وأستمتع بعرض تلك الذكريات على مخيلتي، وعلى الرغم من أني كبرت الآن وابتعدت عنها، إلا أنها قريبة مني أكثر مما كنت أتصور، فجدتي طفولتي معها، وحتى أحلامي عنها وعن بيتها تبعث السعادة في قلبي.
قال تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.








