نظرة عامة على الرواية
“فرانكشتاين في بغداد” هي عمل أدبي للكاتب العراقي أحمد سعداوي. تستلهم الرواية شخصية فرانكشتاين المعروفة في أدب الرعب لتقديم تصوير رمزي للواقع العراقي المأساوي بعد عام 2003. تعكس الرواية الفترة التي اعتاد فيها سكان بغداد على أصوات الانفجارات والعنف اليومي. تقع أحداث الرواية في شتاء عام 2005، عندما تصاعدت التفجيرات وزادت أعداد الضحايا بشكل ملحوظ.
تدور الأحداث حول شخصية “هادي العتاك”، وهو جامع خردة يعيش في حي شعبي في بغداد. تراوده فكرة غريبة: تجميع بقايا الجثث المتناثرة نتيجة التفجيرات وإعادة تركيبها في جسد واحد. تتحقق المفاجأة، وتدب الحياة في هذا الكائن المشوه، ليصبح “فرانكشتاين بغداد”.
يبدأ هادي في سرد قصته لزبائنه، الذين لا يصدقون روايته ويرونها ضربًا من الخيال. مع ذلك، يبدأ أحدهم في الشك في الأمر ويقرر التحقق من صحة القصة. تتوالى الأحداث ليكتشف الزبائن أنهم بطريقة أو بأخرى يغذون هذا الكائن المرعب ويساهمون في تناميه وانتشاره في شوارع بغداد. تنتمي الرواية إلى أدب الرعب، ويهدف الكاتب من خلالها إلى تسليط الضوء على قبح النفس البشرية الذي تفاقم في ظل الحرب والعنف، وكأن الإنسان هو المخلوق الذي يخشاه ويبحث عنه في الوقت نفسه.
الأسلوبية في فرانكشتاين في بغداد
يتميز أسلوب أحمد سعداوي في هذه الرواية بالدمج بين الخيال والواقع. يمزج بين الأحداث المتخيلة والوقائع الملموسة التي عاشها العراقيون، مما يخلق تركيبة روائية فريدة تجذب القارئ. يعتمد الكاتب على الخيال العلمي في إطار واقعي، مما يرضي شغف محبي هذا النوع من الأدب. من الواضح أن الكاتب تأثر بعدة روايات، أبرزها رواية فرانكشتاين لماري شيلي، التي استوحى منها الفكرة الرئيسية.
يستخدم الكاتب أسلوبًا معقدًا وغير تقليدي في عرض الأحداث المتشابكة والقصص الفرعية. يتعمد الكاتب هذا التعقيد ليحفز القارئ على التفكير والبحث عن الروابط المفقودة، وإعادة ترتيب الأحداث في تسلسل منطقي. تبرز في الرواية أصوات متعددة، منها الصوت الواقعي الاجتماعي، والصوت الإنساني، وصوت الفقر، والصوت السياسي، وصوت المندس. يترك الكاتب خيوط الرواية مفتوحة ليقوم القارئ بتشكيل النهاية وفقًا لرؤيته ووجهة نظره.
الصور الفنية والاستعارات في الرواية
تزخر الرواية بالصور الفنية والاستعارات التي تساعد على تجسيد الواقع العراقي المؤلم في ذهن القارئ. بما أن الرواية تصف الواقع العراقي عقب الأحداث الدامية، فإن هذه الصور تلعب دورًا مهمًا في إيصال الصورة الحقيقية للأحداث. ومن الأمثلة على ذلك:
“أنا الردُ والجوابُ على نداء المساكين، أنا مخلص ومنتظر ومرغوب به ومأمول بصورة ما، لقد تحرّكت أخيرًا تلك العتلات الخفية التي أصابها الصدأ من ندرة الاستعمال، عتلاتُ القانون لا تستيقظ دائمًا، اجتمعت دعوات الضحايا وأهاليهم مرة واحدة ودفع بزخمها الصاخب إلى تلك العتلات الخفية، فتحركت وأحشاء العتمة وأنجبتني أنا الردُّ على ندائهم برفع الظلم والاقتصاص من الجناة”.
هذه الاستعارات المكثفة التي يستخدمها الكاتب تساهم في توضيح صورة الرعب والمعاناة التي تعيشها بغداد.
الحوار والسرد القصصي في الرواية
يعتمد الكاتب على الحوار بين الشخصيات كوسيلة لإيصال الأفكار التي يؤمن بها إلى القارئ. على سبيل المثال، يقول أحد الشخصيات مخاطبًا هادي:
“أنت مجرد ممر يا هادي، كم من الآباء والأمهات الأغبياء أنجبوا عباقرة وعظماء في التاريخ، ليس الفضل لهم وإنما لظروف وأحوال وأمور أخرى خارجة عن سيطرتهم، أنت مجرد أداة أو قفاز طبي شفاف ألبسه القدر ليده الخفية حتى يحرك من خلالها بيادق على رقعة شطرنج الحياة”.
يحمل هذا الحوار طاقة سلبية وعبثية تعكس الحالة النفسية التي كانت سائدة في بغداد في تلك الفترة، وينجح الكاتب في نقل هذه الحالة إلى القارئ من خلال النص.
تحليل الشخصيات الرئيسية في فرانكشتاين في بغداد
تلعب الشخصيات دورًا حيويًا في الرواية. وقد وظف الكاتب مجموعة من الشخصيات المؤثرة التي ساهمت في تطور الأحداث وتوجيهها. من أبرز هذه الشخصيات:
- هادي العتاك: الشخصية الرئيسية في الرواية، يعمل بائعًا للخردة في أحد أحياء بغداد القديمة. هو الشخص الذي قام بتجميع أجزاء الجثث ليخلق جسدًا واحدًا.
- فرانكشتاين: الكائن الذي يزعم هادي أنه صنعه، والذي يثير الرعب في شوارع بغداد، ولكن وجوده موضع شك بالنسبة للكثيرين.
- العميد سرور مجيد: مدير دائرة المتابعة والتحقيق، لديه شكوك حول قصة فرانكشتاين ويعتقد أن فيها جزءًا من الحقيقة. يقوم بتجنيد فريق سري للبحث عن فرانكشتاين وكشف حقيقته.
استقبال النقاد لرواية فرانكشتاين في بغداد
أثارت رواية فرانكشتاين في بغداد جدلاً واسعًا وحظيت بالعديد من الدراسات والآراء النقدية نظرًا لحساسية القضية التي تتناولها. ومن بين هذه الآراء:
- وسن ليلو: “تعد الرواية من أدب الواقعية السحرية التي تعالج الأحداث والظواهر الاجتماعية والسياسية بطريقة غرائبية تخيلية حيث تدور أحداث الرواية في حي البتاوين أحد أزقة بغداد”.
- رحيق أبو زينة: “في رواية فرانكشتاين لم يعتمد سعداوي أسلوبًا أو نمطًا واحدًا في السرد، بل يمكن القول إنه اعتمد نمطين أو أكثر”.
فرانكشتاين، كما يراه الكاتب، هو الشخصية المخيفة الكامنة في داخل كل إنسان. فالبعض ينجح في كبح جماحها وإخفائها، بينما يسمح لها البعض الآخر بالظهور ونشر الفزع والخوف بين الناس.








