مشروعية قراءة الفاتحة للمنفرد والإمام
اتفق جمهور العلماء على أن تلاوة سورة الفاتحة تعتبر ركناً أساسياً من أركان الصلاة بالنسبة للمنفرد والإمام. وهذا يعني أن الصلاة لا تصح بدونها. وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء من المالكيَّةِ والشافعيَّةِ، والحنابلةِ. ويستدلون بما ورد في السنة النبوية، مستشهدين بحديث عُبادةَ بنِ الصَّامتِ – رضيَ اللهُ عنه-، حيث قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-:
“لا صلاةَ لِمَن لم يقرَأْ بفاتحةِ الكتابِ.”
وكذلك ما جاء في حديثٍ آخر، عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه-، حيث قال: قال رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-:
“من صلَّى صلاةً لم يقرأْ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ”
يقولُها ثلاثًا، وكلمة “خِداج” تعني: ناقصة غير تامة.
حكم قراءة الفاتحة للمقتدي
اختلف الفقهاء في تحديد حكم قراءة الفاتحة للمأموم على النحو التالي:
الرأي الأول: يرى أصحاب هذا الرأي أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، ولكنها لا تجب على المأموم في الصلاة الجهرية. وهذا ما ذهب إليه المالكيَّةِ، والحنابلةِ. أما الحنفية، فقد ذهبوا إلى عدم وجوبها في كلتا الصلاتين، الجهرية والسرية. وقد استدلوا على ذلك بالآية الكريمة:
“وَإِذا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعوا لَهُ وَأَنصِتوا لَعَلَّكُم تُرحَمونَ”
كما جاء عن الإمام أحمد قوله: “أجمع الناس على أنّ هذه الآية في الصلاة”. واستدلوا كذلك بما ورد في السنة النبوية، عن أبي موسى الأشعريِّ -رضيَ اللهُ عنه-، قال:
“إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خطَبَنا فبيَّنَ لنا سُنَّتَنا وعلَّمَنا صلاتَنا، فقال: إذا صلَّيْتُم فأقِيموا صفوفَكم، ثمَّ لْيَؤُمَّكم أحدُكم، فإذا كبَّرَ فكبِّروا، وإذا قرَأ فأنصِتوا.”
الرأي الثاني: يرى أصحاب هذا الرأي أن قراءة الفاتحة واجبة على كل مصلٍّ، سواء كان إماماً أو منفرداً أو مأموماً، وفي كل ركعة من الصلاة، فرضاً كانت أم نفلاً، جهرية كانت أم سرية. ويستدلون بحديث عبادة بن الصامت:
“لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب”
وقول الإمام النووي: “وهذا عام في كل مصلٍ، ولم يثبت تخصيصه بغير المأموم بمخصص صريح فبقي على عمومه”.
توقيت تلاوة الفاتحة للمصلي
للمأموم أن يقرأ الفاتحة إذا سكت الإمام. وإذا لم يسكت الإمام، فبإمكانه قراءتها في أي وقت، ولا حرج في ذلك، حتى وإن كان الإمام يقرأ، فيقرأها معه ثم ينصت، سواءً أكان ذلك قبل قراءة الإمام للفاتحة أو بعدها. ولكن، إذا كان الإمام يعتاد السكوت، فعلى المأموم أن يقرأها في حال السكوت، جمعاً بين مصلحة القراءة ومصلحة الاستماع للإمام وقت القراءة.
أما بالنسبة لما سوى الفاتحة، فيجب على المأموم أن يستمع للإمام فيما زاد على الفاتحة، بدليل الإجماع. قال ابنُ تَيميَّة:
“وقدْ أجمَعوا على أنَّه فيما زاد على الفاتحة، كونُه مستمعًا لقِراءة إمامه خيرٌ من أنْ يقرأ معه.”
فيما يتعلق بكيفية قراءة الفاتحة في الصلاة السرية، يجب على المصلي أن يقرأ الفاتحة سراً في نفسه، أي ألا يرفع صوته بالقراءة. فقد روى مسلم عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضي الله عنه- أنه قَالَ:
“صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الظُّهْرِ -أَوِ الْعَصْرِ- فَقَالَ: أَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى؟». فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا)”
أي: نازعنيها.
آلية تلاوة الفاتحة في الصلاة
تلاوة الفاتحة في الصلاة ركن قولي تبدأ به الصلاة بعد التكبير، ويجب مراعاة الأمور التالية لأهميتها في قراءة الفاتحة:
- تقرأ الفاتحة كاملة بجميع آياتها وحروفها، وفيها أربع عشرة تشديدة، ولو ترك من ذلك شيئاً أو خفف مشدداً؛ لا تصح الصلاة.
- تجنب الوقوع في اللحن الجلي، وهو الخطأ الذي يخل بالمعنى، كأن يخطئ بإبدال حرف بحرف مثل: أن يقول الظالين بالظاد بدل الضالين بالضاد، أو يغيّر حركة مثل: أنعمت بالكسر أو الضم بدل أنعمتَ بالفتح.
- أن يُسمع المصلي نفسه القراءة كما يفعل في تكبيرة الإحرام.
- مراعاة التتابع في قراءة الآيات، بحيث لا يسكت خلالها سكوتاً طويلاً ولا يسيراً بقصد قطع القراءة، ولا أن يقول أثناء قراءته للفاتحة ذكراً عمداً مثل: قوله الحمد لله عند العطس متعمداً؛ هنا يلزمه إعادة قراءة الفاتحة.
- قراءة الفاتحة قائماً، فلو قرأ بعضها في غير القيام لا تصح؛ كأن يبدأ المصلي بقراءة الفاتحة أثناء قيامه من السجود قبل الانتصاب قائماً.
- قراءة الفاتحة باللغة العربية، ولا تصح ترجمة الفاتحة إلى غير العربية للعاجزين، لكن يجوز له أن يقرأ سبع آيات من القرآن إن كان يحفظ، وإن كان لا يحفظ من القرآن شيئاً وقف بقدر الوقوف لقراءة سورة الفاتحة يذكر الله ثم يركع.
- البدء بالاستعاذة وهي قول: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” قبل الفاتحة، فإذا قرأ الفاتحة قبل أن يستعيذ فاتت الاستعاذة وكره أن يعود إليها، وتُعد البسملة آية من الفاتحة؛ فلا تصح الفاتحة التي لم يبدأها المصلي بالبسملة؛ لقول أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عد “بسم الله الرحمن الرحيم” آية.
- يسن للمسبوق -من سبقه الإمام في الصلاة- ألا ينشغل بسنة مثل دعاء الاستفتاح، أو التعوذ، بل يقرأ الفاتحة مباشرة لأنها فرض فلا ينشغل عنها بنفل.
المصادر
- الموسوعه الفقهيه في الدرر السنيه
- صحيح البخاري
- صحيح مسلم
- الدرر السنيه الموسوعه الحديثه
- نور المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة
- نور على الدرب لإبن باز بعناية الشويعر
- الدرر السنيه الموسوعه الفقهيه
- مجموع الفتاوى
- طريق الإسلام
- نخب الافكار
- كتاب الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي
- فقه العبادات على المذهب الشافعي








