فهم مغزى الآية (قالوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا)

تحليل وتوضيح لمعنى الآية الكريمة: (قالوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)، واستخلاص العبر والدروس منها، من خلال تفاسير مختلفة

تمهيد

تعتبر قصة يوسف عليه السلام من أروع القصص القرآنية، بما تحمله من دروس وعبر في الصبر والعفو والتسامح. ومن الآيات التي تحمل معاني عميقة في هذه القصة، الآية الكريمة:(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) [يوسف: 91]. هذه الآية تعبر عن اعتراف إخوة يوسف بفضل أخيهم عليهم، واعتذارهم عن فعلتهم الشنيعة. سنتناول في هذا المقال تفسير هذه الآية من خلال آراء بعض المفسرين، بالإضافة إلى استخلاص الدروس المستفادة منها.

رؤية الطبري في تفسير الآية

يورد الإمام الطبري تفسيراً للآية الكريمة، موضحاً أن هذا القول صدر من إخوة يوسف عندما كشف لهم عن هويته قائلاً:(أَنا يوسُفُ وَهـذا أَخي) [يوسف: 90]. فبعد طول فراق، وبعدما تبين لهم فضل يوسف ومكانته، اعترفوا قائلين:(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) [يوسف: 91].

ويفسر الطبري اعترافهم بأنهم أقروا بأن الله قد فضّل يوسف عليهم بالعلم والحكمة، وأنهم كانوا مخطئين في فعلتهم التي ارتكبوها بحقه، من تفريق بينهم وبين أبيهم وأخيهم، وسائر ما صنعوه به من صنوف الأذى.

معنى الآية في ضوء تفسير السعدي

يشير الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره إلى أن يوسف عليه السلام، بعد أن وصل إلى مكانة مرموقة، رقّ قلبه لإخوته وكشف لهم عن حقيقته، معاتباً إياهم بقوله: (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ؟). فعندما علموا أن المتحدث هو يوسف، أقروا بفضل الله عليه، وبأن الله لم يضع أجر الصابرين.

ويوضح السعدي أن الإخوة اعترفوا بأن الله قد فضّل يوسف عليهم بمكارم الأخلاق، وأقروا بإساءتهم إليه وحرصهم على إيذائه وإبعاده عن أبيه. إلا أن يوسف قابل ذلك بالعفو والصفح، ولم يعيرهم بذنبهم، بل دعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا قمة الإحسان الذي لا يأتي إلا من خيار الخلق.

نظرة في ظلال القرآن

يرى سيد قطب في “في ظلال القرآن” أن الآية الكريمة:(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) [يوسف: 91] تمثل اعترافاً صريحاً من الإخوة بخطئهم وإقراراً بفضل الله على يوسف.

ويشير إلى أن يوسف -عليه السلام- قابل هذا الاعتراف بالصفح والعفو، وأنهى الموقف المخجل بكرمه، ليثبت نجاحه في الابتلاء بالنعمة كما نجح من قبل في الابتلاء بالشدة، مصداقاً لقوله تعالى:(إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).

عِبر وفوائد مستخلصة

من خلال تفسير الآية الكريمة، يمكننا استخلاص العديد من الدروس والعبر، منها:

  • قد يمنح الله أحد الأبناء صفات ومواهب ليست لدى غيره من إخوته، كالذكاء أو الفطنة أو حسن الخلق.
  • قد يقع الإخوة في الخطأ تجاه بعضهم البعض، سواء عن قصد أو عن غير قصد، نتيجة للغيرة أو الجهل أو غير ذلك من الأسباب.
  • يجب على الإنسان العاقل أن يؤمن بأن الله هو الرزاق العادل، وأن يقابل أخطاء الآخرين بالتسامح والعفو.
  • إذا أخطأ الإخوة واعتذروا، فينبغي على الأخ أن يقبل الاعتذار وأن يسامح، لأن الكمال لله وحده، وكل بني آدم خطاء.
  • العفو الحقيقي هو الذي يصدر عن قلب سليم، لا يحمل ضغينة أو حقداً، بل يدعو للآخرين بالمغفرة والرحمة.
  • التوبة الصادقة والاعتراف بالخطأ يؤدي إلى التآلف والمحبة، وإلى نيل مغفرة الله ورحمته.

إن قصة يوسف عليه السلام، وما تحمله من دروس وعبر، تظل نبراساً يضيء لنا دروب الحياة، ويهدينا إلى مكارم الأخلاق، وإلى التعامل الحسن مع الآخرين، حتى في أصعب الظروف.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تأملات في قول موسى وهارون: “ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى”

المقال التالي

تدبر في قوله تعالى: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا)

مقالات مشابهة