فهم معاني سورة الحشر وأهدافها

استكشاف لسورة الحشر: دروس من قصة يهود بني النضير، أحكام الفيء والغنيمة، نظرة على مجتمع المدينة، صفات المنافقين، نصائح للمؤمنين، وبيان لعظمة القرآن الكريم وأسماء الله وصفاته.

مآل بني النضير من اليهود

تتناول الآيات من (1-5) من سورة الحشر، وهي سورة مدنية، قصة يهود بني النضير ونقضهم للعهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين المسلمين. بدأت السورة بالتسبيح لله عز وجل، وهو تنزيهه وتقديسه عن كل نقص وعيب.

قال تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

هذه الآية الكريمة تؤكد أن كل ما في الكون، من سماوات وأرض، يسبح بحمد الله ويشهد بعظمته. هو سبحانه العزيز الذي لا يُقهر، والحكيم في كل ما يقدر ويقضي.

ثم بينت الآيات فضل الله على المؤمنين بنصرهم على يهود بني النضير وإخراجهم من ديارهم، وكيف أن الله تعالى خذلهم رغم تحصنهم.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ).

قصة بني النضير تتلخص في أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إليهم يطلب منهم المعونة في دفع دية قتيلين. استقبلوه في الظاهر استقبالاً حسناً، وأبدوا استعدادهم للمساعدة. ولكنهم في الباطن دبروا مكيدة لقتله صلى الله عليه وسلم، وذلك بإلقاء صخرة عليه من أعلى البيت الذي كان يجلس تحته. ولكن الله تعالى أرسل جبريل عليه السلام ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخيانتهم، فعاد إلى المدينة وأخبر أصحابه.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالاستعداد لحصار بني النضير وتأديبهم على غدرهم. فحاصرهم المسلمون بضعة وعشرين ليلة، وكانت حصونهم قوية، ولكن الله ألقى الرعب في قلوبهم، فاستسلموا ونزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهى الأمر بإجلائهم عن المدينة.

قال تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ).

أي لولا أن الله قضى عليهم بالإخراج من ديارهم، لعذبهم في الدنيا بالقتل والأسر. ولكن الله ادخر لهم في الآخرة عذاب النار بسبب كفرهم وعنادهم.

عندما رأى الكفار المسلمين يقطعون نخيل بني النضير ويحرقونها، ظنوا أن ذلك فساد في الأرض، فأنزل الله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ).

أي أن قطع النخيل أو تركه كان بأمر الله ومشيئته، وذلك لإذلال الكافرين وإهانتهم.

أحكام الفيء والغنيمة

توضح الآيات (6-7) من سورة الحشر أحكام الفيء والغنيمة، والفرق بينهما. الفيء هو ما أُخذ من الكفار بغير قتال، كأموال بني النضير التي تفضل الله بها على نبيه صلى الله عليه وسلم. أما الغنيمة فهي ما أُخذ بقتال.

قال تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

هذه الآية الكريمة تبين مصارف الفيء، وأنه يقسم على الله ورسوله وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وذلك حتى لا يكون المال محصوراً بين الأغنياء فقط. كما تأمر الآية بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به، واجتناب كل ما نهى عنه.

نظرة على مجتمع المدينة المنورة

تصف الآيات (8-10) من سورة الحشر حال المجتمع المدني، وتحديداً حال المهاجرين والأنصار.

قال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).

هذه الآية الكريمة تصف المهاجرين الفقراء الذين استحقوا مال الفيء لأنهم تركوا ديارهم وأموالهم في سبيل الله ورسوله.

كما مدح الله الأنصار وبين فضلهم وكرمهم وإيثارهم للمهاجرين على أنفسهم رغم حاجتهم.

قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

ثم ذكر الله الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار، وهم الذين يتبعونهم بإحسان إلى يوم القيامة، ويدعون لهم بالمغفرة والرحمة.

قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).

سمات المنافقين

تتحدث الآيات (11-17) عن صفات المنافقين واليهود وغدرهم ومكرهم.

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

هذه الآية الكريمة تصف حال المنافقين الذين وعدوا بني النضير بالنصرة والمعونة إذا حوصروا أو أُخرجوا من ديارهم، ولكنهم كذبوا في وعدهم ولم يفوا به.

وتوضح الآيات أن المنافقين أشد خوفاً من المؤمنين أكثر من خوفهم من الله.

قال تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ).

و يختم الله هذا الجزء من السورة ببيان أن عاقبة المنافقين كعاقبة الشيطان.

قال تعالى:(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ).

توجيهات للمؤمنين

تتضمن الآيات (18-20) من سورة الحشر توجيهات ربانية للمؤمنين بتقوى الله في السر والعلن، ومراقبة أعمالهم ومحاسبة أنفسهم قبل فوات الأوان.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ).

وتؤكد الآيات على أن الفوز الحقيقي هو الفوز بالجنة والنجاة من النار.

جلال كلام الله وصفاته

تتناول الآيات (21-24) من سورة الحشر أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وعظمة القرآن الكريم وأثره في القلوب.

قال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

الآيات الكريمة تختتم بذكر أسماء الله الحسنى وصفاته التي توجب خشية جميع مخلوقاته له وتعظيمه.

المراجع

  • تفسير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
  • تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
  • تفسير ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تحليل وتدبر سورة الحديد

المقال التالي

شرح مبسط لسورة الحشر

مقالات مشابهة

شرح مبسط لسورة النصر للأطفال

تفسير سهل وميسر لآيات سورة النصر للأطفال. شرح معنى: (إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره * إنه كان توابا). وماذا استنبط أبو بكر الصديق رضي الله عنه من هذه السورة؟
إقرأ المزيد