فهم آية (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم)

نظرة في سياق الآية، معناها الشامل، شرح مفصل لها، وسبب نزولها. بالإضافة إلى المصادر.

تعتبر الآيات القرآنية نورًا يهدي البشرية في دروب الحياة، وتمنحهم الأمل والتفاؤل في مواجهة التحديات. ومن بين هذه الآيات العظيمة، تبرز آية كريمة تحمل في طياتها معاني الرحمة والمغفرة، وتفتح أبواب الأمل أمام كل مذنب ومقصر، إنها الآية التي يقول فيها الحق -تبارك وتعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

في هذا المقال، سنتناول هذه الآية الكريمة بالتفصيل، ونسلط الضوء على سياقها العام ودلالتها الشاملة، بالإضافة إلى شرح مفصل لمعانيها وألفاظها، والسبب وراء نزولها. كما سنستعرض أقوال العلماء والمفسرين في تفسير هذه الآية، لكي ندرك عظمة هذه الآية الكريمة وأثرها في نفوس المؤمنين.

السياق العام للآية ودلالتها

وردت هذه الآية المباركة في الجزء الأخير من سورة الزمر، بعد سلسلة من الآيات التي تتحدث عن مصير الكافرين وعقابهم الشديد، وتذكر الأمم السابقة التي حلت بها لعنة الله بسبب كفرهم وضلالهم. ثم جاءت هذه الآية لتفتح باب الرجاء والأمل أمام العصاة والمذنبين، وتدعوهم إلى التوبة والإنابة إلى الله -عز وجل-.

وتكمن أهمية هذه الآية في كونها تبعث الطمأنينة في قلوب المؤمنين، وتؤكد لهم أن الله -تعالى- يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب وآمن وعمل صالحًا، مهما كانت ذنوبه عظيمة أو كثيرة. وقد وصفها بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- بأنها أرجى آية في القرآن الكريم، وذلك لما تحمله من معاني الرحمة والمغفرة والعفو. قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “إنَّ أكبر آية فرجاً في القرآن: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)”. وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “لا توجد آية في القرآن أوسع منها”.

إن هذه الآية تدل على أن باب التوبة مفتوح أمام الجميع، ولا يغلق إلا عند طلوع الشمس من مغربها أو عند حضور الموت. وقد “أعلم الله -تعالى- أنَّ مَنْ تاب وآمن غفر الله له كلَّ ذنب”.

شرح تفصيلي للآية الكريمة

لفهم المعنى العميق للآية، يمكننا تحليلها إلى أجزاء وشرح معاني الكلمات والتراكيب فيها:

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ): هنا، يأمر الله -عز وجل- نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يخاطب العصاة والمسرفين في الذنوب، وأن يدعوهم إلى التوبة والرجوع إلى الله. وفي هذا الخطاب، نجد لطفًا من الله -تعالى- بعباده، حيث ينسبهم إلى نفسه، ويخاطبهم بلفظ “يا عبادي”، مما يدل على محبته لهم ورغبته في هدايتهم. والإسراف هنا يعني تجاوز الحد في المعاصي والذنوب، والإضرار بالنفس بفعل ما يغضب الله -تعالى-.

(لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ): هذه الجملة هي النهي عن اليأس والقنوط من رحمة الله -تعالى-، مهما بلغت الذنوب والمعاصي. والقنوط هو فقدان الأمل في رحمة الله وعفوه، وهو من أكبر الذنوب التي قد يرتكبها الإنسان. فالله -تعالى- واسع الرحمة والمغفرة، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب وأناب إليه. “لا نزاع أنَّ عدم اليأس منِ الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان”.

(إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا): هذه الجملة هي تأكيد على أن الله -تعالى- يغفر جميع الذنوب لمن يشاء، ولا يستثني منها شيئًا. وهذا دليل على عظمة رحمته وسعة مغفرته. ورغم أن كلمة (الذنوب) تحمل معنى العموم، فقد تم تأكيدها بكلمة (جميعاً) لزيادة التأكيد على شمولية المغفرة.

(إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ): هذه الجملة هي وصف لله -تعالى- بأنه الغفور الرحيم، وهما اسمان من أسماء الله الحسنى يدلان على صفة المغفرة والرحمة. والغفور هو الذي يستر الذنوب ويتجاوز عنها، والرحيم هو الذي يرحم عباده ويحسن إليهم. والتعبير بصيغة(الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)التي تدل على المبالغة تفيد ذروة الوعد بالرَّحمةِ بعد المغفرةِ.

السبب وراء نزول الآية

ذكر ابن عباس -رضي الله عنهما- سبب نزول هذه الآية، فقال: “إنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا صَلى الله عَليه وسَلم، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا)، وَنَزَلَ: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)”.

هذا السبب يوضح سماحة الشريعة الإسلامية وكرمها، فالإسلام يمحو ما قبله، ويرفع المؤاخذة عن معاصي الجاهلية لمن أسلم. وهذا ما وضحه سبب نزول الآية التي نزلت بسبب تجمع أناس من مشركي مكة، فقالوا: يا محمد، إن الذي تقوله وتدعو إليه حسَن، ولو أنَّ عندك لِما عملنا في جاهليتنا كفارة لأسلمنا.

وعندما نزلت هذه الآية، اطمأن هؤلاء المشركون وآمنوا، وآمن مثلهم خلق كثير. ولو أن الإسلام أوجب مؤاخذتهم لما دخلوا في الدين، ولو أنهم يئسوا من رحمة الله -تعالى- وقنطوا من قبولهم ومسامحتهم لبقوا على كفرهم.

المصادر

  • القرآن الكريم
  • الطبري، جامع البيان
  • الواحدي، الوجيز
  • السمين الحلبي، الدر المصون
  • نظام الدين النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان
  • أبو السعود العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
  • برهان الدين البقاعي، نظم الدرر
  • صحيح مسلم
  • موسى شاهين لاشين، فتح المنعم شرح صحيح مسلم
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

معاني ودلالات الآية الكريمة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”

المقال التالي

توضيح معنى الآية: “لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة”

مقالات مشابهة