عِبر وفوائد من غزوة الأحزاب

تحليل لأهم العبر والفوائد المستخلصة من غزوة الأحزاب (الخندق)، الأسباب والنتائج وتأثيرها على المسلمين.

الدروس والعِبر المستفادة

تزخر غزوة الأحزاب بالعديد من العِبر والدروس القيّمة التي يمكن استخلاصها والاستفادة منها في حياتنا، ومن أبرز هذه الدروس:

  • استخدام الحيلة المشروعة: لجأ الرسول الكريم إلى الصحابي نعيم بن مسعود لنشر الخلاف بين صفوف الأعداء وتفريقهم، مما يدل على جواز استخدام كافة الوسائل التي تؤدي إلى نصر المسلمين وحماية دمائهم، باستثناء الغدر والخيانة. وهذا يعكس حكمة النبي -صلى الله عليه وسلم- السياسية والعسكرية، فالخداع الذي يقود إلى هزيمة العدو يعتبر انتصاراً للحق على الباطل.
  • الاستفادة من الخبرات المختلفة: جاءت فكرة حفر الخندق من الصحابي الجليل سلمان الفارسي، وهي فكرة لم تكن معروفة عند العرب، فقبلها الرسول ونفذها، وهذا يدل على أن الإسلام يتقبل ما عند الآخرين من ثقافات مفيدة وموافقة للشريعة، ويظهر مرونة الرسول في تبني الأفكار النافعة.
  • الفرح بنصر الله والثقة به: شاهد المسلمون في هذه الغزوة تفرق جموع المشركين وعودتهم خائبين، ففرحوا بنصر الله فرحاً عظيماً، وازداد شعورهم بالعزة والانتماء لهذا الدين القويم.
  • ترسيخ مبدأ الشورى: على الرغم من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان مؤيداً بالوحي، إلا أنه حرص على التشاور مع أصحابه، لترسيخ مبدأ الشورى في الأمة، حيث تجتمع العقول والخبرات والأفكار، ويشارك الجميع في اتخاذ القرار وبناء الفكرة وتنميتها.
  • المشاركة في العمل والتواضع: شارك الرسول أصحابه في العمل وكان معهم في جهدهم وتعبهم، وعلى الرغم من ضخامة الخندق، إلا أن حفره استغرق ستة أيام فقط بسبب مشاركة الرسول التي رفعت همم الصحابة ودفعتهم إلى سرعة الإنجاز، فكان متواضعاً يتساوى معهم في كل الظروف.
  • الثقة بنصر الله واليقين به: غرس الرسول في أصحابه الثقة بالله واليقين بنصره، فرغم حصار المشركين للمسلمين وقلة عددهم وما أصابهم من الجوع والتعب، إلا أن الله نصرهم، وكان الرسول يبشر أصحابه أثناء الحفر بفتح الشام واليمن وبلاد فارس، فالنصر من عند الله، وعلى المسلم أن يلجأ إليه أولاً عند الشدائد.
  • أهمية الدعاء والتوكل على الله: دعا رسول الله على الأحزاب، فقال: (اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اهْزِمِ الأحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ)، فاستجاب الله له وصرف عنهم جموع المشركين، وهذا يبين أهمية الدعاء والتوكل على الله والالتجاء إليه بعد الأخذ بالأسباب.
  • الحذر من المشركين وعدم الثقة بهم: تدعو هذه الغزوة إلى عدم الثقة بالمشركين وتجنب إبرام الاتفاقيات معهم، قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ).
  • أهمية أداء الصلاة في وقتها: اضطر الرسول في أحد أيام الغزوة إلى تأخير صلاة العصر، وصلاها قريباً من المغرب للاضطرار، ودعا على الأعداء لأنهم كانوا سبباً في تأخير الصلاة عن وقتها، وهذا يبيّن أهمية أداء الصلاة في وقتها في الإسلام.

الأسباب التي أدت إلى الغزوة

ازداد حقد اليهود بعد إخراجهم من المدينة المنورة، فتوجّهوا إلى خيبر وبدأوا بتحريض القبائل ضد المسلمين، وكوّنوا جيشاً يضم اثني عشر ألف مقاتل، وأقبلوا إلى المدينة وحاصروها لمدة خمسة عشر يوماً، وقد منعهم من الدخول إليها الخندق الذي حفره المسلمون حولها.

كانت المدينة محمية من جهة أخرى من قبل بني النضير الذين تعاهدوا مع الرسول على حماية المدينة، ولكنهم نقضوا العهد ووقفوا مع اليهود ضد المسلمين، ثم تراجعوا وانصرفوا دون تحقيق أهدافهم بعدما أرسل الله عليهم الريح والملائكة، وكانت هذه الريح شديدة البرودة. وقد وقعت غزوة الخندق في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة بحسب الروايات.

حصاد الغزوة وآثارها

شتت الله اليهود والأحزاب وفرق جمعهم بعد أن اجتمعوا ضد المسلمين، فأرسل عليهم ريحاً أطفأت نارهم وخلعت خيامهم، وملائكة ألقت الرعب في قلوبهم، قال الله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)، فعادوا إلى ديارهم خائبين، قال تعالى: (وَرَدَّ اللَّـهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّـهُ قَوِيًّا عَزِيزًا).

قُتل من المشركين ستة، واستُشهد من المسلمين ثلاثة. أثارت هذه المعركة اليأس في قلوب الأعداء من مقاتلة الرسول، وعدم التفكير في الإقدام على مثل هذا الأمر مرة أخرى، كما انطفأت في قلوبهم نار الطمع في هزيمة محمد، مما دفع الكثير إلى الإقبال على الإسلام.

المراجع

  • مصطفى السباعي (1985)، السيرة النبوية – دروس وعبر (الطبعة الثالثة)، دمشق: المكتب الإسلامي، صفحة 119-120.
  • محمد النجار، القول المبين في سيرة سيد المرسلين، بيروت: دار الندوة الجديدة، صفحة 283.
  • إسلام ويب (24-2-2010)،”دروس وعبر من غزوة الأحزاب (الخندق)”،www.islamweb.net
  • رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن أبي أوفى، الصفحة أو الرقم: 1742، صحيح.
  • سورة المائدة، آية: 13.
  • مجموعة من المؤلفين (2009)، فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 363، جزء 4.
  • مكي بن أبي طالب (2008)، الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه (الطبعة الأولى)، الإمارات العربية المتحدة: جامعة الشارقة، صفحة 5793-5794، جزء 9.
  • سورة الأحزاب، آية: 9.
  • سورة الأحزاب، آية: 25.
  • صالح عبد الواحد (1428)، سبل السلام من صحيح سيرة خير الانام عليه الصلاة والسلام (الطبعة الثانية)، المدينة المنورة: مكتبة الغرباء الأثرية، صفحة 433-434.
  • محمد أبو زهرة (1425)، خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، القاهرة: دار الفكر العربي، صفحة 701، جزء 2.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

عِبر ومواعظ من حديث المفلس

المقال التالي

عِبر وفوائد من معركة حنين

مقالات مشابهة