شخصيات بارزة في فن الخطابة خلال العصر العباسي
شهد العصر العباسي ازدهارًا كبيرًا في فن الخطابة، حيث برز العديد من الخطباء الذين تركوا بصماتهم الواضحة على تاريخ الأدب العربي. وقد اشتهر هؤلاء بإتقانهم للغة العربية وبراعتهم في التعبير، مؤثرين في الجمهور بخطبهم القوية والمتقنة. سنستعرض في هذا المقال بعضًا من أهم هؤلاء الشخصيات.
أبو جعفر المنصور: البلاغة والحكمة
عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ثاني خلفاء الدولة العباسية، ولد عام 95هـ. تولى الخلافة بعد وفاة أخيه أبي جعفر السفاح. كان أبو جعفر المنصور معروفًا بحبه للأدب، وبخاصة الشعر، كما كان بليغ الكلام، وفقيهًا، وعالمًا بالدين والأدب، وشجاعًا وباسلًا. توفي عام 158هـ.
داود بن علي: فصاحة لسان وبلاغة ألفاظ
داود بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو سليمان، من أبرز خطباء العصر العباسي. اشتهر بفصاحة لسانه وبلاغة ألفاظه. كان عم المنصور وأبو العباس السفاح، وقد تعلم من أبيه، وكان الأفصح بين إخوته.
أبو العباس السفاح: بداية عصر جديد
عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، أول خلفاء بني العباس. من أشهر خطبه تلك التي ألقاها عند بيعة الناس له بالخلافة. كان أبو العباس فصيح الكلام، حسن الرأي، سريع البديهة، وينسب نسبه إلى رسول الله محمد – صلى الله عليه وسلم -.
المأمون: الحكمة والازدهار
عبد الله بن هارون الرشيد، أبو جعفر، سابع الخلفاء العباسيين، ولد عام 170هـ. شهد عصره ازدهارًا كبيرًا في العلوم والأدب، وكان من أبرز خلفاء العصر العباسي، وأكثرهم حكمة وسماحة وحلمًا.
عبد الملك بن صالح الهاشمي: الفصاحة والشجاعة
عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو عبد الرحمن الهاشمي العباسي، من أمراء بني العباس، وكان من الخطباء البارزين، اشتهر بفصاحته وبلاغته، وكان شجاعًا وفارسًا. قال عنه الصولي: “كان أفصح الناس وأخطبهم، لم يكن في دهره مثله في فصاحته وصيانته وجلالته”.
سليمان بن علي: بلاغة وأثر
سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي، أحد أمراء بني العباس، ولد عام 80 للهجرة. اشتهر بفصاحته وبلاغته، وألقى خطبًا عديدة في عصره.
خالد بن صفوان التميمي: فصيح العرب
خالد بن صفوان المنقري التميمي، من الفصحاء والأدباء في العصر العباسي. لم يستطع أحد أن يبارزه في الخطابة والشعر، ولذلك لقب بفصيح العرب.
أمثلة من خطب العصر العباسي
اشتهر العصر العباسي بالخطابة البليغة، سنعرض هنا نماذج مختارة من خطب بعض الخلفاء والأمراء.
خطبة أبي العباس السفاح عند توليه الخلافة
الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه دينًا، وكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه والقوام به والذابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحق بها وأهلها، خصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، ووضعنا بالإسلام وأهله في الموضع الرفيع.[٢]
وتابع: أيها الناس: بنا هَدَى الله الناس بعد ضلالتهم، ونصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدًا، ورفع بنا الخسيسة وأتم النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دنياهم، وإخوانا على سرر متقابلين في أخراهم، فتح الله علينا ذلك منة ومنحة بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما قبض إليه قام بذلك الأمرِ بعدُ أصحابُه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصًا منها.[٢]
خطبة المأمون يوم الأضحى
قال بعد التكبير والتحميد: إن يومكم هذا يومٌ أبان الله فضله وأوجب تشريفه، وعظّم حرمته، ووفّق له مِن خلقه صفوته، وابتلي فيه خليله، وفدى فيه من الذبح العظيم نبيه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر، ومُقدَّم الأيام المعدودات من النفْر، يوم حرام من أيام عظام في شهر حرام، يوم الحج الأكبر، يوم دعا الله إلى مشهده، ونزل القرآن العظيم بتعظيمه.[٢]
وتابع: قال الله عز وجل: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}،[٣]فتقربوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم، وعظموا شعائر الله، واجعلوها من طيب أموالكم، ولْتصِح التقوى من قلوبكم، فإنه يقول: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}.[٤]








