جدول المحتويات
مقدمة عن التشبيه في نهج البردة
تُعد قصيدة نهج البردة للإمام البوصيري من أشهر القصائد في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم. تزخر هذه القصيدة بالصور البلاغية الرائعة، ومن أبرزها التشبيه الذي يُضفي جمالًا وعمقًا على المعاني. التشبيه في هذه القصيدة ليس مجرد زينة لفظية، بل هو وسيلة فعالة لتوضيح المعاني وتقريبها إلى الأذهان، وإظهار عظمة النبي صلى الله عليه وسلم وجمال صفاته. تتنوع أساليب التشبيه في نهج البردة، مما يدل على براعة الإمام البوصيري وتمكنه من اللغة العربية.
في قصيدة نهج البردة أمثلة متنوعة على صور التشبيه، منها:
- قول الشاعر:
يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم
هذا البيت يحتوي على تشبيه مؤكد ومفصل. فقد شبه الشاعر كلام النبي صلى الله عليه وسلم بالشهد (العسل)، ووجه الشبه هو حلاوة المذاق. وقد تم حذف أداة التشبيه.
- قول الشاعر:
لما خطرت به التفوا بسيّدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم
هذا تشبيه تمثيلي بديع. يصور الشاعر اجتماع الملائكة والرسل حول النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الأقصى، مشبهًا إياه بالبدر الذي تحيط به الشهب.
- قول الشاعر:
سرت بشائر بالهادي ومولده في الشرق والغرب مسرى النور في الظلم
هنا نجد تشبيهًا ضمنيًا رائعًا. يصف الشاعر انتشار البشائر بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مكان، مقارنًا إياه بانتشار النور في الظلام.
- قول الشاعر:
والجهل موت فإن أوتيت معجزة فابعث من الجهل أو فابعث من الرجم
هذا تشبيه بليغ يوضح خطورة الجهل. فالشاعر يشبه الجهل بالموت، مؤكدًا أنه لا حياة فيه. وقد حذف الشاعر أداة التشبيه ووجه الشبه.
- قول الشاعر:
يلوح حول سنا التوحيد جوهرها كالحلي للسيف أو كالوشي للعلم
هنا نجد تشبيهًا تمثيليًا، حيث يصف الشاعر العلوم التي تقوم على أساس الشريعة الإسلامية وجوهرها التوحيد، و يشبهها بالزينة التي تزين السيف الذي هو جوهرها.
- قول الشاعر:
والخلق يفتك أقواهم بأضعفهم كالليث بالبهم أو كالحوت بالبلم
هنا نجد تشبيهًا تمثيليًا، حيث يصف الشاعر صورة ظلم الخلق لبعضها وفتك القوي بالضعيف، ويشبه ذلك بالأسد الذي يفترس صغار الغنم.
- قول الشاعر:
من في البرية كالفاروق معدلة وكابن عبد العزيز الخاشع الحشم
هنا نجد تشبيهًا مقلوبًا، حيث يتساءل الشاعر من في الخلائق يشبه الفاروق عمر بن الخطاب في عدله، أو يشبه عمر بن عبدالعزيز في خشوعه.
- قول الشاعر:
فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم كباطل من جلال الحقّ منهزم
هذا تشبيه تمثيلي، حيث يصف الشاعر صورة المشركين عندما انصرفوا عن غار حراء ويشبهها بالباطل الذي فر من وجه الحق منهزم.
- قول الشاعر:
كأنّ وجهك تحت النقع بدر دجىً يضيء ملتثماً أو غير ملتثم
هنا نجد تشبيهًا تامًا، حيث يصف الشاعر وجه النبي وهو ممتلئ بالغبار في المعركة، ويشبهه بالبدر الذي يضيء بالنور.
عناصر التشبيه الأساسية
يقوم التشبيه على أربعة عناصر رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها لفهم الصورة البلاغية بشكل كامل، وهي:
- المشبه: وهو الطرف الأول في التشبيه، ويمثل الشيء الذي نريد أن نضفي عليه صفة من صفات المشبه به. مثال: في قولنا “العلم نور”، العلم هو المشبه.
- المشبه به: وهو الطرف الثاني في التشبيه، ويمثل الشيء الذي نأخذ منه الصفة وننسبها إلى المشبه. في المثال السابق، “النور” هو المشبه به.
- أداة التشبيه: وهي اللفظ الذي يربط بين المشبه والمشبه به، مثل: كأن، مثل، يشبه، يحاكي، يضاهي. وقد تُحذف الأداة أحيانًا.
- وجه الشبه: وهو الصفة المشتركة بين المشبه والمشبه به، والتي تكون هي أساس التشبيه. في المثال السابق، وجه الشبه هو الإضاءة والهداية.
أقسام التشبيه
ينقسم التشبيه إلى نوعين رئيسيين:
- التشبيه المفرد: وهو تشبيه شيء واحد بشيء آخر واحد.
- التشبيه المركب: وهو تشبيه صورة كاملة بصورة أخرى كاملة.
التشبيه المفرد وأشكاله
التشبيه المفرد هو الأكثر شيوعًا، ويتفرع إلى عدة أنواع بناءً على وجود أو حذف أركان التشبيه:
- التشبيه التام: وهو الذي يذكر فيه جميع أركان التشبيه الأربعة (المشبه، المشبه به، الأداة، وجه الشبه).
- التشبيه المؤكد: وهو الذي تُحذف منه أداة التشبيه.
- التشبيه المرسل: وهو الذي تذكر فيه أداة التشبيه.
- التشبيه المجمل: وهو الذي يُحذف منه وجه الشبه.
- التشبيه البليغ: وهو الذي تُحذف منه الأداة ووجه الشبه، ويعتبر أقوى أنواع التشبيه وأكثرها تأثيرًا.
أما التشبيه التمثيلي فهو تشبيه صورة بهيئة أخرى، كما في قوله تعالى:
مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ
(سورة البقرة، الآية 261).
في هذه الآية، يشبه الله تعالى أجر المتصدقين في سبيله بالسنبلة التي تنبت سبع سنابل، وفي كل سنبلة مئة حبة، ووجه الشبه هو المضاعفة.
التشبيه الضمني هو تشبيه لا يذكر فيه أداة التشبيه بشكل صريح، بل يفهم ضمنيًا من سياق الكلام، ومثاله قول المتنبي:
مَن يَهُن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
التشبيه المقلوب هو الذي يتم فيه عكس طرفي التشبيه، فيجعل المشبه مشبهًا به والعكس، وغالبًا ما يستخدم في المدح، ومثاله قول الشاعر:
وبدا الصّباحُ كٲنَّ غُرَّتَهُّ وجه الخليفة حين يُمتدحُ








