سجل حقوق الإنسان عبر العصور

نظرة شاملة على تطور حقوق الإنسان عبر التاريخ، من العصور القديمة والوسطى إلى العصر الحديث. تعرف على الأسباب الرئيسية وراء هذا التطور المستمر.

المفاهيم الأساسية لحقوق الإنسان

الحق لغةً هو ضد الباطل، ويدل على الثبات والتحقق والوجود واللزوم. واصطلاحاً، يعني قدرة الفرد على ممارسة فعل معين يكفلها له القانون ويحميها، تحقيقاً لمصلحة معترف بها. أما حقوق الإنسان، فهي مجموعة من المطالب التي يجب أن يتمتع بها كل فرد على قدم المساواة، دون تمييز، وهي مرتبطة بكون الإنسان إنساناً، مثل الحق في الحياة، والكرامة، والمساواة.

التطور التاريخي لحقوق الإنسان

يمكن القول أن بذرة فكرة حقوق الإنسان بدأت مع نشأة المجتمعات البشرية الأولى. ومنذ ذلك الحين، شهدت هذه الفكرة تطورات وتحولات مختلفة عبر العصور والحضارات، حتى وصلت إلى صورتها الحالية. فيما يلي عرض لتطور حقوق الإنسان عبر التاريخ.

حقوق الإنسان في الحضارات القديمة

ظهرت البوادر الأولى لمفهوم حقوق الإنسان في العصور القديمة، عندما بدأت المجتمعات البشرية في تطبيق الأعراف والقواعد التي تضمن بعض الحقوق الأساسية، وتسعى للحفاظ على كرامة الأفراد والحد من العنف. ومع مرور الزمن، تطورت هذه الأعراف إلى قوانين ونصوص رسمية تكفلها الدولة. تعتبر الحضارات القديمة في العراق من أوائل من أدرك أهمية العيش الكريم والعدل، من خلال نبذ العنف وتعزيز قيم التعاون والمشاركة المجتمعية. على الرغم من أن المفهوم الحديث لحقوق الإنسان لم يكن معروفاً آنذاك، إلا أن الأفراد كانوا أكثر التزاماً بالقيم الإنسانية.

في بداية الألفية الرابعة قبل الميلاد، ظهرت المدن الكبيرة في العراق القديم، وبدأت معها نشأة القوانين التي تعتبر أساساً لضمان الحقوق. العراق هو أول من وضع القوانين، والتي بدأت كقواعد عرفية ثم تطورت إلى قوانين مكتوبة. من بين هذه القوانين:

قانون أورنامو

أصدره الملك السومري أور نامو (2111-2003 قبل الميلاد)، ويعتبر أقدم القوانين المكتوبة. تم اكتشاف أجزاء منه في متحف الشرق القديم بإسطنبول عام 1952، حيث عثر على لوح مسماري يحتوي على أجزاء من القانون. تضمن القانون إقراراً لحقوق الإنسان، وذكر في مقدمته مواضيع عن توطيد العدالة والحرية وإزالة العداوة والبغضاء والظلم، بالإضافة إلى تحريم المساس بجسد الإنسان. وقد استوحيت منه العديد من النصوص التي تم تضمينها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

قانون لبث عشتار

يعود إلى بداية العهد البابلي القديم، وأصدره الملك لبث عشتار. تم العثور عليه في بداية القرن العشرين خلال تنقيبات جامعة بنسلفانيا. يتضمن القانون نصوصاً مشابهة لمقدمة قانون أورنامو، بالإضافة إلى بعض المواد القانونية الأخرى التي تدعو إلى نشر العدل والقضاء على العداوة والبغضاء وجلب الرفاهية للأكديين والسومريين، بالإضافة إلى حماية العبيد ومنع الإساءة إليهم، ومنع التعذيب والمساس بجسد الحيوان.

قانون حمورابي

أصدره الملك البابلي حمورابي في العهد البابلي، ويعتبر من أكثر القوانين اهتماماً بحقوق الإنسان. تضمن حقوق الإنسان التي وردت في القوانين السابقة له، باستثناء تلك التي لا تتفق مع روح العصر، وأضاف حمورابي مواد قانونية أخرى، مثل مبدأ القصاص وتحديد عقوبة الإعدام، كما حدد مسؤولية حاكم المدينة في تحقيق الاستقرار والأمن وحماية أموال الشعب، وذلك من خلال نظام قضائي متطور يضمن حقوق الإنسان.

حقوق الإنسان خلال العصور الوسطى

خلال العصور الوسطى، تجسدت حقوق الإنسان في عدد من القوانين والمواثيق التي أصدرتها بعض الدول الغربية. من أهم هذه المواثيق ميثاق العهد الأعظم (الماجنا كارتا) عام 1215، والذي فرضه أمراء الإقطاع على الملك المستبد (جان) للحد من سلطاته. يتضمن هذا القانون مجموعة من الأحكام الأساسية المتعلقة بحق الملكية والتقاضي وضمان حرية التجارة والتنقل ومنع فرض الضرائب على الشعب دون موافقة البرلمان.

حقوق الإنسان في العصر الحديث

شهدت حقوق الإنسان نقلة نوعية كبيرة في العصر الحديث، حيث أدت العديد من العوامل إلى صدور تشريعات ومواثيق أقرت وكرست هذه الحقوق. في عهد الملك شارل الأول، صدرت عريضة الحقوق عام 1628، والتي تمثل مذكرة تفصيلية لحقوق البرلمان التاريخية والتذكير بالحقوق التقليدية للمواطنين. من بين المبادئ التي أقرتها العريضة: “لا يجبر أحد على دفع أي ضريبة أو تقديم أي هبة أو عطاء مجاني إلا بقرار من البرلمان”، بالإضافة إلى العديد من القوانين والشرائع التي تقر حقوق الإنسان وتضمنها.

وفي الآونة الأخيرة، دخلت حقوق الإنسان مرحلة جديدة من التطور، وهي المرحلة الدولية. تحولت مواضيع حقوق الإنسان من الطابع الداخلي إلى الطابع الدولي والخارجي. تزامن هذا التحول مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وتأسيس عصبة الأمم التي وضعت العديد من البنود والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية وتأسيس ميثاق الأمم المتحدة الذي أشار في مضمونه إلى ضرورة تعزيز واحترام وحماية حقوق الإنسان كافة.

دوافع تطور مسيرة حقوق الإنسان

تطورت مسيرة حقوق الإنسان بشكل ملحوظ عبر العصور والأمم، وذلك للأسباب التالية:

  • ازدهار الحياة الإنسانية وزيادة الاختلاط بين الشعوب المختلفة بسبب توفر وسائل المواصلات والاتصالات والنقل وتقدم التبادل التجاري وهجرة الأيدي العاملة، مما سمح للشعوب بالتعرف إلى أوضاع حقوق الإنسان في الدول الأخرى.
  • نمو الحياة الاقتصادية وانتعاش التبادل التجاري الخارجي وزيادة عدد الوافدين والأجانب في أقاليم دول أخرى، وتعرض الكثير منهم لانتهاكات تمس حقوقهم، مما دفع الجهات الدولية إلى إيجاد أعراف تمنع حدوث مثل هذه الانتهاكات.
  • انتشار استخدام الأسلحة المدمرة وغير التقليدية، والتي قد تؤدي إلى إراقة أرواح الملايين من الأبرياء، ولذلك تم وضع بعض الاتفاقيات، مثل اتفاقية جنيف التي تقضي بالتمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين.
  • صحوة الضمير العالمي بأن نظم القانون الداخلي غير كافية لصيانة حقوق الإنسان، وأن ضمان هذه الحقوق لا يتم إلا من خلال نظم القانون الدولي العام.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

السجل التاريخي لإنشاء قناة السويس

المقال التالي

تسلسل زمني لحماية الأطفال: نظرة شاملة

مقالات مشابهة