مقدمة حول ليلة الرغائب
تُعد الليلة الأولى من جمع شهر رجب من الليالي التي يذكرها البعض بخصوصية، ويطلق عليها اسم “ليلة الرغائب”. وقد انتشر بين الناس اعتقاد بوجود صلاة معينة تُؤدى في هذه الليلة، تُعرف بـ “صلاة الرغائب”. الهدف من هذا المقال هو تسليط الضوء على هذه الليلة وبيان ما إذا كان لإحيائها بصلوات مخصوصة أصل في الشرع أم لا.
الفتوى الشرعية في صلاة الرغائب
ذهب جمهور العلماء إلى أن صلاة الرغائب تعتبر من البدع المستحدثة التي لا يصح فعلها ولا الدعوة إليها. وقد صرح بذلك الإمام النووي في كتابه “المجموع”، مؤكدًا أن صلاة الرغائب التي تُقام في أول ليلة جمعة من رجب، وكذلك صلاة ليلة النصف من شعبان، هما من البدع المنكرة. وعندما سُئل عن صلاة الرغائب، أجاب بأنها بدعة منكرة، وينبغي على المسلم تجنبها والابتعاد عنها، وتوضيح حكمها لمن يمارسها ونصحه بتركها. ولا يُعتد بذكر هذه الصلاة في بعض الكتب مثل “قوت القلوب في معاملة المحبوب” لأبي طالب المكي، أو “إحياء علوم الدين” لأبي حامد الغزالي، كدليل على مشروعيتها.
مدى صحة الأحاديث المتعلقة بليلة الرغائب
أجمع العلماء على أن جميع الأحاديث التي تتحدث عن فضل صلاة الرغائب لا تصح، وحكموا ببطلانها. وقد ذكر الصغاني في كتابه “الموضوعات” أن الأحاديث التي تتحدث عن فضل أول جمعة من رجب، والتي يُطلق عليها “صلاة الرغائب”، هي أحاديث موضوعة ومكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قال العجلوني في كتابه “كشف الخفاء” أن الأحاديث الواردة حول صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان، وصلاة نصف رجب، وصلاة الإيمان، وصلاة ليلة المعراج، وصلاة ليلة القدر، وصلوات كل ليلة من رجب وشعبان ورمضان، لا أصل لها.
تجدر الإشارة إلى أن الأصل في العبادات هو التوقيف، فلا يجوز استحداث عبادة لم يرد بها نص شرعي صحيح. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ” (رواه مسلم). هذا الحديث يُعد قاعدة عظيمة في رد البدع والأعمال المخالفة للسنة النبوية.
نشأة تسمية ليلة الرغائب
لم يكن إحياء ليلة الرغائب معروفًا في عهد السلف الصالح، ولم يظهر ذكرها إلا في وقت متأخر. يذكر أبو شامة المقدسي أن صلاة النصف من شعبان ظهرت عندما أداها ابن أبي الحمراء في المسجد الأقصى عام 448 هـ، وتبعه الناس في ذلك، ولم تكن هذه الصلاة معروفة من قبل. وبالمثل، فإن صلاة الرغائب في أول جمعة من رجب لم تكن معروفة لدى الناس قبل عام 480 هـ، مما يدل على أنها بدعة مستحدثة.
إن ظهور هذه البدع في فترات متأخرة من التاريخ الإسلامي يُظهر أهمية التمسك بالسنة النبوية والرجوع إلى هدي السلف الصالح في فهم الدين وتطبيقه.
تفاصيل عن كيفية أداء صلاة الرغائب المزعومة
ذكر الإمام النووي في كتابه “المجموع” وصفًا لصلاة الرغائب، فقال: “الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة تُصلّى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب”. وذكر ابن الحاج في كتابه “المدخل” أنها بدعة ابتدعها الناس في أول جمعة من رجب، ويؤدونها جماعة وكأنها صلاة مشروعة، ويرافق أداءها عدد من المفاسد، منها اجتماع النساء والرجال في الليل، وزيادة وقود القناديل التي في زيادتها إضاعة للمال المخصص لزيت الوقف.
أوجه استنكار صلاة الرغائب
ذكر العز بن عبدالسلام عددًا من الأسباب التي تدعو إلى الحكم ببدعية هذه الصلاة في رسالة خاصة وجهها لابن الصلاح، ومن أبرزها:
- أن المصلي لصلاة الرغائب، وخاصة إذا كان من العلماء، قد يوهم الناس بأنها من السنن، وبالتالي يكون داعيًا إلى ضلالة وبدعة.
- أن استسهال فعل البدع، وخاصة من الملتزمين، قد يغري المبتدعين بوضع المزيد من البدع وافترائها.
- أن هذه الصلاة تخالف سنة السكون في الصلاة، من جهة أن فيها إعادة سورة الإخلاص اثنتي عشرة مرة وعدها، وعد سورة القدر، ولا يمكن عدها في الغالب إلا بتحريك المصلي لبعض أعضائه، فيخالف السنة في تسكين الأعضاء في الصلاة.
- أنها تخالف ضرورة خشوع القلب وخضوعه وحضوره في الصلاة، وتفريغه لله تعالى وملاحظة جلاله وكبريائه، والوقوف على معاني القراءة والأذكار.
- أنها مخالفة للسنة في أداء النوافل؛ فالسنة في النوافل أن أداءها في البيوت أفضل من أدائها في المساجد، إلا ما استثناه الشرع؛ كصلاة الاستسقاء والكسوف.
- أنها مخالفة لسنة الانفراد بالنوافل؛ فإن السنة فيها الانفراد إلا ما استثناه الشرع، وصلاة الرغائب تخالف ذلك حيث تؤدى جماعة.
- أنه لو فرضنا جدلًا أن السجدتين مشروعيتان، لكان أداؤها مخالفًا للسنة في خشوعهما وخضوعهما؛ للاشتغال بعد التسبيح فيهما.








