مقدمة
الصلاة عمود الدين، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وقد حثّ الإسلام على أدائها في وقتها وبأكمل وجه. ومن بين الأمور التي يُفضل فيها أداء الصلاة، هو صلاتها في جماعة. فما هي الميزات التي تختص بها صلاة الجماعة عن صلاة الفرد؟ وما هو حكمها في الشريعة الإسلامية؟ وما هو أقل عدد من المصلين لتشكيل الجماعة؟
الفضل العظيم لصلاة الجماعة
لا شك أن للصلاة في جماعة فضائل عظيمة ومزايا جمة، ترفع من شأنها وتجعلها أفضل بكثير من الصلاة منفرداً. ومن هذه الفضائل:
- الأجر المضاعف: فقد ورد في الحديث النبوي الشريف ما يدل على مضاعفة أجر صلاة الجماعة، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-:(صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً).
- فضل الذهاب إلى المسجد: إن الذهاب إلى المسجد للصلاة في جماعة له فضل كبير، فكل خطوة يخطوها المسلم إلى المسجد ترفع درجته وتحط عنه سيئاته، فقد قال -عليه الصلاة والسلام-:(إذا تَوَضَّأَ فأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أتَى المَسْجِدَ لا يُرِيدُ إلَّا الصَّلاةَ، لا يَنْهَزُهُ إلَّا الصَّلاةُ -لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَ بها دَرَجَةً، أوْ حُطَّتْ عنْه بها خَطِيئَةٌ، والمَلائِكَةُ تُصَلِّي علَى أحَدِكُمْ ما دامَ في مُصَلَّاهُ الَّذي يُصَلِّي فِيهِ).
- النور التام يوم القيامة: من بشائر صلاة الجماعة أنها تنير درب المسلم يوم القيامة، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:(بشِّرِ المشَّائينَ في الظُّلَمِ إلى المساجِدِ بالنُّورِ التَّامِّ يومَ القيامةِ).
- الوحدة والتآزر: تعزز صلاة الجماعة الوحدة والتآزر بين المسلمين، وتقوي الروابط الاجتماعية بينهم، إذ يجتمع فيها الناس على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم.
- إظهار شعائر الدين: إن أداء الصلاة في جماعة يعتبر إظهاراً لشعائر الدين وتعظيماً لها أمام الجميع.
- الحماية من الشيطان: تشبه السنة النبوية من يصلي منفرداً بالشاة التي ابتعدت عن قطيعها، فتكون عرضة لافتراس الذئب، لذا فإن صلاة الجماعة تحمي المسلم من مكائد الشيطان.
- زيادة الأجر بزيادة عدد المصلين: كلما ازداد عدد المصلين في الجماعة، ازداد الأجر والثواب. لقول النبيّ:(إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما هو أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل).
- البراءة من النار والنفاق: يكتب الله -تعالى- للمصلي في الجماعة براءتان؛ براءة من النار و براءة من النفاق؛ لحديث رسول الله -صلّى الله صلّى الله عليه وسلّم-:(من صلَّى لله أربعينَ يومًا في جماعةٍ يدرِكُ التَّكبيرةَ الأولى، كتبَ لهُ براءتانِ: براءةٌ منَ النَّارِ، وبراءةٌ منَ النِّفاقِ).
- فضائل خاصة لبعض الصلوات: جعل الله -تعالى- أفضالاً خاصة لمن صلى الجماعة في بعض الصلوات، وخاصة صلاتيّ الفجر والعشاء.
- استمرار الأجر في فترة الانتظار: يكون المصلي في فترة انتظاره لصلاة الجماعة كأنه في صلاة ويبقى أجره مستمراً، وتدعو له الملائكة ما زال منتظراً صلاة الجماعة، قال -عليه الصلاة والسلام-:(الْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ علَى أَحَدِكُمْ ما دَامَ في مَجْلِسِهِ الذي صَلَّى فيه يقولونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ تُبْ عليه، ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، ما لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ).
الرأي الشرعي في صلاة الجماعة
اختلف الفقهاء في حكم صلاة الجماعة، ويمكن تلخيص آرائهم في الآتي:
- سنة مؤكدة: يرى غالبية الحنفية وأكثر المالكية أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة على الرجال.
- فرض كفاية: يرى الشافعية وبعض المالكية أنها فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الباقي، مستدلين بحديث رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-:(ما مِن ثلاثةٍ في قَريةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقامُ فيهم الصَّلاةُ إلَّا قد استحوذ عليهم الشَّيطانُ؛ فعليك بالجماعةِ، فإنَّما يأكُلُ الذِّئبُ القاصيةَ).
- واجب عيني: يرى الحنابلة وبعض الحنفية وبعض الشافعية أنها واجبة على كل مسلم وجوباً عينياً، لكنها ليست شرطاً لصحة الصلاة، ودليلهم في ذلك قول الله -تعالى-:(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ).
- شرط لصحة الصلاة: يرى الظاهرية وبعض الحنابلة أنها شرط لصحة الصلاة، وهي كغيرها من واجبات الصلاة لا يجوز تركها.
الحد الأدنى لعدد المصلين في الجماعة
اتفق جمهور العلماء على أن أقل عدد لتشكيل الجماعة هو اثنان: الإمام والمأموم، مستدلين بقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- للصحابي مالك بن الحويرث عندما أتى النبي ومعه صاحبه:(إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فأذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُما أَكْبَرُكُمَا). لكن هذا لا يصح في صلاة الجمعة وصلاة العيدين. ويصح أن يؤم الرجل زوجته، لكنها تقف خلفه. وكلما كثر عدد المصلين في الجماعة كان ذلك أحب إلى الله -تعالى-.
كما اشترط بعض العلماء أن يكون الإمام والمأموم بالغين، ويرى المالكية والحنابلة أنه لا تنعقد صلاة الجماعة في الفريضة مع الصبي، بينما يرى الحنفية والشافعية أنها تصح، وتصح الإمامة بالصبي في صلاة النافلة.
خلاصة
صلاة الجماعة لها فضل عظيم ومزايا عديدة تفوق الصلاة منفرداً، وقد اختلف العلماء في حكمها بين السنة المؤكدة، والفرض الكفائي، والواجب العيني، والشرط لصحة الصلاة. والحد الأدنى لتشكيل الجماعة هو اثنان: الإمام والمأموم، والأفضل أن يكونا بالغين. لذلك ينبغي على المسلم الحرص على أداء الصلاة في جماعة لنيل الأجر العظيم والفوز بمرضاة الله.








