- مقدمة حول السورة
- إضاءات حول آيات سورة البروج
- معنى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾
- تأملات في ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾
- دروس من قصة ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ…وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
- تحليل ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا…وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
- معاني ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ…ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾
- تفسير ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ…فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
- عبرة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ…بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾
- دلالات ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ…فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
- انعكاسات سورة البروج على حياة المسلم
- المصادر
مقدمة حول السورة
سورة البروج هي إحدى سور القرآن الكريم التي تحمل في طياتها العديد من العبر والدروس المستفادة. تتناول السورة قضايا الإيمان والثبات عليه، ومصير الظالمين والمؤمنين، وتذكير بقدرة الله وعظمته. تعتبر قصة أصحاب الأخدود من أبرز ما تتناوله السورة، وهي قصة مؤثرة تجسد الصراع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر.
إضاءات حول آيات سورة البروج
معنى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾
يستهل الله تعالى السورة بقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. هذا القسم الإلهي بالسماء وما فيها من بروج وكواكب يدل على عظمة الخالق وقدرته. البروج هي المنازل التي تمر بها الشمس والقمر، وهي علامات دالة على نظام الكون ودقته.
تأملات في ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾
ثم يقسم الله تعالى ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. اليوم الموعود هو يوم القيامة، اليوم الذي يجتمع فيه الناس للحساب والجزاء. أما ﴿شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ فقد تعددت آراء المفسرين في تحديد المقصود بهما، ومن هذه الآراء:
- ما روي عن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمْعَةِ).
- قيل: الشاهد هو يوم التروية، والمشهود هو يوم عرفة.
- قيل: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر، وهو قول علي بن أبي طالب.
- وقيل المشهود هو يوم القيامة، وذلك لقوله -تعالى-:(ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)
وبناء على هذا القول فقد تنوعت الأقوال في الشاهد إلى الأقوال الآتية:
- قيل بأنه الله -تعالى-، لقوله -تعالى-:(وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً)،(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ).
- قيل بأنه محمد -صلى الله عليه وسلّم-، لقوله -تعالى-:(فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً}،{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً).
- قيل بأنّهم الأنبياء،قال -تعالى-:(فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ).
- قيل بأنّه عيسى -عليه السلام-، والمشهود هم أمة عيسى، لقوله -تعالى-:(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ).
- قيل بأنّه الإنسان، لقوله -تعالى-: (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)، وقيل بإنّه أعضاء الإنسان، لقوله -تعالى-:(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ).
- قيل بأنّه الأمة، والمشهود هم باقي الأمة، لقول -تعالى-:(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ).
- قيل بأنّهم الحفظة، والمشهود هم بني الإنسان.
- قيل بأنّها الليالي والأيام.
كل هذه الأقوال تدل على أهمية الشهادة والشهود في ديننا، وأن الله تعالى يشهد على كل شيء، ويشهد عليه خلقه.
دروس من قصة ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ…وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
تأتي قصة أصحاب الأخدود كنموذج للصراع بين الحق والباطل، حيث ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ* النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ* وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. يذكر أن رجلاً يُدعى يوسف بن ذي نواس، قام بحفر حفرة وأشعل فيها نارًا ليحرق كل من يؤمن بالله وحده. ورغم هذا العذاب الشديد، ثبت المؤمنون على إيمانهم، وفضلوا الموت حرقًا على الكفر بالله.
تذكر الروايات أن عددًا ليس بالقليل من قومه آمنوا، فأمرهم بترك التوحيد والإيمان بالله، وهددهم بالحرق في النار. رفضوا مطلبه، فألقاهم كلهم في النار. حتى جاءت امرأة لها طفل رضيع، فأشفقت عليه، فعرضوا عليها الكفر مرة أخرى، فرفضت. فضربوها، حتى نطق رضيعها قائلاً لها بأن أمامها نارًا لا تنطفئ أبدًا، فقامت وألقت نفسها في النار، فجعل الله أرواحهم في الجنة.
هذه القصة تعلمنا الثبات على الحق، والتضحية في سبيل الله، وعدم الخوف من بطش الظالمين.
تحليل ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا…وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
توضح الآية ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أن جرم المؤمنين الوحيد هو إيمانهم بالله. وهذا يثير العجب والاستنكار، فكيف يعاقب الإنسان على إيمانه بالله؟ الله شهيد على كل شيء، وسيجازي كل عامل بعمله.
في الآية الكريمة تعجّب من ظلم أصحاب الأخدود للمؤمنين، فقد ارتكبوا أشنع الجرائم وأفظعها، إذ أنّه لا لجريمة من شانها أن تلقي أصحابها في النار أحياء.
معاني ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ…ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾
تبين الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابَ الْحَرِيقِ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ مصير كل من الفريقين: الظالم والمظلوم. فالذين فتنوا المؤمنين لهم عذاب جهنم، والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار.
ما يجمع الفريقين الجزاء من الله -تعالى-، فالّذين عذّبوا المؤمنين على حسن صنيعهم، ثم لم تراجعوا عن تعذيبهم، أو حتى لم يتوبوا بعدما قتلوا المؤمنين، سيكون جزاؤهم في الآخرة عذاب نار جهنّم الحارقة، إذ إنّ الجزاء من جنس العمل، ففي عدم توبتهم خير دليل على إصرارهم على الكفر، وأمّا المؤمنين الموحّدين الذين عملوا الصالحات، وتجنبوا ما يغضب الله -تعالى-، وثبتوا على دينهم، على الرغم من شدة العقبات الّتي واجهوها، فلهم الثواب العظيم في الجنة؛ جنات تجري من تحتها الانهار، خالدين في النعيم المقيمن وهذا هو الفوز الأكبر.
تفسير ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ…فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
تؤكد الآية ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ* إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ* وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ* ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ* فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ على قوة الله وعذابه الشديد، وأنه هو الذي يبدأ الخلق ويعيده، وهو الغفور الودود الفعال لما يريد. هذه الآية تطمئن المؤمنين وتهدد الكافرين.
في هذه الآية طمأنة للمؤمنينن وترهيب للكفار، فإن الله -عز وجل- عذابه شديد، يبدأ العذاب على المشركين في الحياة الدنيا، ثم يعيده مرة أخرى في الحياة الآخرة، كذلك هو الغفور الذي يغفر الذنوب، فيستر على العبد ما قد صدر عنه، وهو الّذي يحب عباده الموحّدين، وفي اقتران الودود بالغفور بأنّ الله -تعالى- يغفر لمن تاب ويحبّه، فهو سبحانه، يحب التوّابين.
عبرة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ…بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾
تشير الآية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ إلى مصير الطغاة السابقين، مثل فرعون وثمود، وأن الكافرين في كل زمان يكذبون الرسل ويكذبون بالحق. هذه الآية تذكر كفار قريش بمصير من قبلهم، وتحذرهم من الاستمرار في التكذيب.
دلالات ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ…فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
تختتم السورة بالآية ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ* بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، لتؤكد على إحاطة الله بكل شيء، وأن القرآن الكريم محفوظ عند الله من التحريف والتبديل، وأنه مكتوب في اللوح المحفوظ.
اختتمت الآيات الكريمة بالحديث عن قدرة الله -تعالى- على أن ينزل العقاب على أهل مكة، كما حدث للطغاة من قبل، وقد زعم المشركين أقوال باطلة عن القرآن الكريم، فبيّن الله -تعالى- هنا عظمة وتقديس القرآن الكريم وما في من الامور المفصليّة المهمة، التي يحتاجها الإنسان في حياته، من أحكام الدين والدنيا، وهذا القرآن محفوظ عند الله -تعالى- من التحريف والتبديل فهو مكتوب في اللوح المحفوظ فمنع الشياطين من الوصول إليه، ومن اللوح المحفوظ تم نسخ القرآن الكريم والكتب السماوية.
انعكاسات سورة البروج على حياة المسلم
لسورة البروج آثار إيجابية متعددة على حياة المسلم، منها:
- تعزيز الثقة بنصر الله للمؤمنين، وأن العاقبة للمتقين.
- الاستفادة من قصص الثبات والصبر في حياة المؤمنين السابقين.
- إدراك عظمة الله وقدرته، وأنه محيط بكل شيء.
- استحضار مشهد يوم القيامة والشهادة على الأعمال، مما يدفع المسلم إلى الإحسان في عمله.
- التركيز على رضا الله كمعيار أساسي لصحة العمل.
- كثرة التوبة إلى الله والإخلاص في ذلك.
- الثبات على الحق في مواجهة الفتن والابتلاءات.
المصادر
- القرآن الكريم
- تفسير القرطبي
- تفسير ابن عاشور
- تفسير مقاتل بن سليمان
- التفسير الوسيط للزحيلي
- تفسير جزء عم للشيخ مساعد الطيار
- التفسير البسيط للواحدي
- الموسوعة القرآنية لجعفر شرف الدين








