تحليل وتدبر سورة فصلت

استكشاف معاني سورة فصلت: نظرة على موقف المشركين من القرآن، خلق الكون، وعاقبة الأمم السابقة التي كذبت الرسل.

نظرة في رفض المشركين للقرآن الكريم

تستهل سورة فصلت بتقديم صورة واضحة لرفض مشركي مكة للقرآن الكريم. يوضح الله تعالى عظمة القرآن، مؤكدًا أن آياته مفصلة ومبينة، تشرح الحلال والحرام، وتميز بين الطاعة والمعصية.

الآيات من (1-7)

يشير لفظ “فصلت” إلى التمييز بين الحق والباطل، أو إلى أن آيات القرآن متميزة في معانيها. قيل أيضاً إن التفصيل يكمن في كون القرآن عربيًا، بلغة قريش، مما يمكنهم من فهم معانيه وأهدافه، ويعجزهم عن الإتيان بمثله.

الهدف من نزول هذه السورة هو توبيخ قريش وتعجيزهم عن معارضة القرآن ببلاغته وإعجازه. يحمل القرآن بشرى للمؤمنين الصالحين وإنذارًا لأعداء الله ورسله. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآيات على أبي الوليد عندما جاءه ليثنيه عن الدعوة الإسلامية، عارضًا عليه المال والسلطة.

فلما فرغ النبي من تلاوته، تأثر أبو الوليد بما سمع، وأدرك الوعيد الذي تحمله الآيات، فعاد إلى قومه معتزلاً حتى أتاه أبو جهل، الذي سخر منه واتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسحر.

كيفية تكوين الكون بقدرة الله عز وجل

يوجه الله تعالى الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحث قومه على التفكر والتدبر في هذا الكون العظيم، وذلك كتوبيخ لهم على كفرهم بالله الذي خلق الأرض وأبدع في خلقها، وكيف يجعلون له شركاء في الخلق. يستنكر الله من المشركين إشراكهم به وعبادتهم لغيره، فهو وحده مالك هذا الكون وخالق كل شيء.

الآيات من (9-12)

الله تعالى هو الذي جعل الأرض مهيأة لأسباب العيش، فجعلها مناسبة للإنسان، ووضع فيها جبالًا تثبتها وتحفظها من الاضطراب، وتحتوي على المعادن والمياه. جعل الله الأرض مباركة وغنية بالخيرات التي تنفع الناس، كالنباتات المختلفة التي هي مصادر رزق للإنسان، وغيرها من الخيرات كالماء والمعادن، وقدر لكل أهل الأرض رزقًا لا ينقص، وسخر لهم كل منافع الأرض.

ويخبرنا الله عن خلقه للسماء، التي كانت في الأصل دخانًا وكتلة مظلمة. ولما أتم الله خلق السماء والأرض، أمرهما أن تأتيا إليه طوعًا أو كرهًا، فأجابتا بأنهما تأتيان طائعتين، وهذا يدل على قدرة الله وعظمته.

ذكر ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: 11]، “قال الله تبارك وتعالى للسموات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي، وقال للأرض: شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك، فقالتا: أتينا طائعين”. فذكر الله تعالى خلقه للأرض، وبين كيفية خلقه للسموات السبع وما فيها من نظام، وأتم الله تعالى خلقه للسموات والأرض في ستة أيام.

تدمير الأمم السابقة بسبب تكذيبهم بالرسل

الآيات من (13-18)
يحذر الله تعالى الكافرين ويذكرهم بأحوال الأمم السابقة بعد أن بين إنكارهم للقرآن، وعرض عليهم دلائل قدرته في الكون، ثم حذر كفار قريش من أن إعراضهم عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم سيعرضهم لعذاب وهلاك كما حدث لقوم عاد وثمود.

الذين كذبوا الرسل واستكبروا على أنبيائهم لغرورهم بقوتهم وأجسادهم، ظانين أن ذلك يمنع عنهم العذاب، إلا أن الله تعالى أرسل عليهم ريحًا صرصرًا شديدة البرودة، وعذبهم بها لينالوا العذاب في الدنيا والآخرة.

حشد أعداء الله إلى نار جهنم وشهادة أجسادهم عليهم

بعد بيان عقوبة الكافرين في الدنيا، يوضح الله تعالى مصيرهم في الآخرة، ليكون ذلك تذكيراً وتحذيراً للمخاطبين. أمر الله تعالى رسوله بتحذير قومه من عذاب يوم القيامة، اليوم الذي يساق فيه الكافرون إلى النار.

الآيات من (19-29)

عندما يقف أعداء الله على النار، سيسألهم الله عن جرائمهم وكفرهم، فينكرون أفعالهم حتى تشهد عليهم جوارحهم: جلودهم وأسماعهم وأبصارهم، بما ارتكبوا من معاصي وذنوب في الحياة الدنيا. سيتعجب الإنسان من ذلك، حتى تجيبهم حواسهم بأن الذي أنطقها هو الله تعالى.

ثم يبين الله تعالى أنه خالق كل شيء في هذا الكون، وإليه مصير كل الخلائق بعد الموت، فيجزي كل واحد منهم بما كسبت يداه، ولن ينالوا من ظنهم الفاسد بالله تعالى الذي قادهم إلى المعاصي سوى الخسارة والهلاك في الدنيا والآخرة.

ويخبر الله في الآيات عن حال الكافرين، حيث سلط عليهم شياطين من الجن والإنس ليحسنوا لهم أعمالهم الماضية والمستقبلية، ويغروهم بفعل المعاصي، فأثبتوا لأنفسهم العذاب بكفرهم، ونالوا الخسارة والخزي كما كان جزاء الذين كفروا من الجن والإنس.

ثواب الاستقامة على شرع الله في الدنيا والآخرة

الآيات من (30-36)

يوضح الله في آياته ثواب الاستقامة على الحق والصواب، ويحث عباده على اتباع دين الله والاستقامة عليه، لأن هذه الاستقامة دليل على العقل الراجح والكرامة، بخلاف الانحراف الذي يدل على الجهل والمهانة.

قال ابن عباس رضي الله عنه: “نزلت هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: 30] في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أن المشركين قالوا: ربنا الله، والملائكة بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فلم يستقيموا، فقال أبو بكر: ربنا الله وحده لا شريك له، ومحمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، فاستقام”.

توضح هذه الآيات حال المؤمن الذي استقام على دين الله تعالى، وتقارن حاله بحال الكافر. فجزاء المؤمن أن الملائكة ستنزل عليه عند موته وفي قبره وعند بعثه لتثبته وتبشره بالنجاة والجنة، ولتؤنسه برحمة الله تعالى. كما تبين الآيات ضرورة الدعوة إلى الله تعالى، فالمؤمن يسعى لإصلاح ذاته ويحاول إصلاح غيره، صابرًا على أذى الناس وإعراضهم عن الدعوة، ويقابل الإساءة بالإحسان.

القرآن الكريم وحي من عند الله تعالى

الآيات من (41-44)

تعرض الآيات إلحاد المشركين وتكذيبهم بالقرآن الكريم، وتوضح أن كفرهم بآياته سبب لاستحقاقهم العذاب. يبين الله تعالى لهم أنه كتاب عزيز ونفيس، وأنه ذكر من عنده للناس جميعًا ليذكرهم بغفلتهم قبل فوات الأوان.

وهو ذكر للعرب وسمعة طيبة لهم بين القبائل جميعها، فقد أنزله الله تعالى بلسانهم وبلغتهم، وهو كتاب عزيز منيع، فيه من المعاني الغزيرة والإتقان البديع والحجة الواضحة ما تقرع لها الأذان.

علم الغيب المطلق لله وحده سبحانه وتعالى

الآية (47)

اختص الله تعالى العلم بوقت يوم القيامة لذاته سبحانه، حتى أنه لم يعلم الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك. فعلم الغيب لا أحد يعلمه سوى الله تعالى، وهو الذي يعلم متى تخرج الثمار من أوعيتها، وما تحمل كل أنثى، ومتى تضع حملها. وهذه أمثلة ضربها الله تعالى للناس ليبين لهم علمه بأدق التفاصيل في هذا الكون، فكل ما في الكون يعلمه تعالى.

نظرة على أحوال الإنسان بين العطاء والمنع

الآيات من (49-51)

توضح الآيات أحوال الإنسان، واصفة إياه بصفات متعددة، منها أنه يطلب الخير من ربه دون ملل، وهذه الصفة يشترك فيها المؤمن والكافر. ذكر الله تعالى صفات أخرى تتعلق بالإنسان الكافر، وهي كما يلي:

  • أنه يقنط ويصيبه اليأس إذا تعرض لشدة أو ابتلاء.
  • أنه يرى أن الخير الذي يأتيه من الله تعالى قد استحقه بجهده وعمله.
  • أنه ينكر يوم القيامة، ويظن أن يوم القيامة إن كان موجودًا فسيحظى بإحسان من الله كما لقي في الدنيا.
  • أنه يعرض عن الشكر في حال الإنعام عليه، ويتضرع إلى الله في حال البلاء فقط.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تدبرات في سورة عبس: من الآية 1 إلى 10

المقال التالي

تحليل وتدبرات في سورة ق

مقالات مشابهة