مقدمة
السنة النبوية المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام بعد القرآن الكريم، وهي التطبيق العملي لتعاليم الإسلام وقيمه. تعتبر السنة النبوية مرجعًا هامًا للمسلمين في جميع جوانب حياتهم، حيث توضح الأحكام الشرعية وتفسرها، وتقدم النموذج الأمثل للسلوك والأخلاق. ومن بين الأحاديث النبوية الشريفة التي تحمل دلالات عميقة وتوجيهات قيمة، حديث: “من رغب عن سنتي فليس مني”. هذا الحديث يثير تساؤلات مهمة حول مفهوم السنة النبوية وأهمية اتباعها، وكذلك حول عواقب الإعراض عنها.
رواية الحديث الشريف
روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
(جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَسْأَلُونَ عن عِبَادَةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقالوا: وأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟! قدْ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، قالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أنَا فإنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أبَدًا، وقالَ آخَرُ: أنَا أصُومُ الدَّهْرَ ولَا أُفْطِرُ، وقالَ آخَرُ: أنَا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فلا أتَزَوَّجُ أبَدًا، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهِم، فَقالَ: أنْتُمُ الَّذِينَ قُلتُمْ كَذَا وكَذَا؟! أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي).
توضيح معاني الكلمات
- رَهْطٍ: الجماعة من الرجال، عادة ما تكون من ثلاثة إلى عشرة أفراد.
- تَقَالُّوهَا: استقلوها ورأوها قليلة.
- الدَّهْرَ: الزمن الطويل، أو الحياة الدنيا بأكملها.
- أعْتَزِلُ: أبتعد وأنأى بنفسي عن شيء.
- أَرْقُدُ: أنام.
- رَغِبَ عن: انصرف وأعرض عن الشيء، وتركه زهداً فيه.
الفهم العام للحديث
يشير الحديث إلى قصة ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم، الذين جاءوا ليسألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم. وعندما علموا بها، رأوا أنها قليلة بالنسبة لهم، وقرروا أن يزيدوا على ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم. فأحدهم قال إنه سيصلي الليل كله، والثاني قال إنه سيصوم الدهر كله، والثالث قال إنه سيعتزل النساء ولا يتزوج أبدًا.
فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، أنكر عليهم فعلهم، وأخبرهم بأنه أخشاهم لله وأتقاهم له، ومع ذلك فإنه يصوم ويفطر، ويصلي ويرقد، ويتزوج النساء. ثم قال صلى الله عليه وسلم: “فمن رغب عن سنتي فليس مني”.
المراد بالرغبة عن السنة هنا ليس مجرد ترك فعل من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو الإعراض عن هديه وطريقته في العبادة والحياة، والاتجاه إلى طرق أخرى تخالف سنته، اعتقادًا بأنها أفضل وأكمل. وهذا يشمل الغلو في الدين وتكليف النفس بما لا يطاق، وكذلك التقصير في أداء الواجبات والفرائض.
الإسلام دين يسر واعتدال، ولا يحب الغلو والتطرف. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وأمر بالاقتصاد في العبادة وعدم تكليف النفس بما لا تطيق. فالسنة النبوية هي الميزان الذي يجب أن يوزن به كل عمل، وهي الضمانة من الوقوع في البدع والضلالات.
عِبر وفوائد الحديث
- وجوب اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم: يجب على المسلم أن يحرص على اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في جميع جوانب حياته، وأن يجعله قدوته وأسوتة الحسنة.
- التحذير من الغلو في الدين: يجب على المسلم أن يتجنب الغلو في الدين وتكليف النفس بما لا يطاق، وأن يقتصد في العبادة ويؤديها باعتدال ويسر.
- فضل الاقتصاد في العبادة: الاقتصاد في العبادة يسبب المداومة عليها وعدم الملل منها، ويحفظ على المسلم صحته وقوته ليتمكن من أداء واجباته الدينية والدنيوية.
- الحرص على الزواج: الزواج سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، وهو وسيلة لتحقيق العفة والإحصان، وتكوين الأسرة المسلمة الصالحة.
- بيان سماحة الإسلام ويسره: الإسلام دين يسر وسماحة، ولا يكلف المسلم بما يشق عليه، بل يأمره بالتيسير على نفسه وعلى غيره.
المصادر
- صحيح البخاري.
- شرح حديث جاء ثلاثة رهط إلى بيوت – الدرر السنية.
- شرح حديث أنس: من رغب عن سنتي فليس مني – الألوكة.








