الحجر الأسود: رمز الإسلام
يُعدّ الحجر الأسود أحد أهم رموز الإسلام، ويُقدّره المسلمون بشدة. يتسابقون لتقبيله أثناء الطواف حول الكعبة المشرفة، ويُؤدّون ذلك احتفاءً بنبي الله إبراهيم -عليه السلام- الذي وضع الحجر الأسود في مكانه.
ويعود هذا التقدير إلى أمرين أساسيين:
- **الاقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم:** ثبت أنّه كان يقبّله، كما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني أعلَمُ أنك حجَرٌ، لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ولولا أنّي رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُقَبِّلُك ما قبَّلتُك)،[١]
- **أصل الحجر الأسود السماوي:** يُعتقد أنّ الحجر الأسود حجرٌ نزل من السماء، حيث أرسل إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل ليبحث عن حجرٍ مختلفٍ عن حجارة مكة ليميز به ركن الطواف في الكعبة.
لم يجد إسماعيل ما يبحث عنه، فعاد إلى والده خالي الوفاض، فقال لهإبراهيم عليه السلام: (لقد جاءني به من هو خيرٌ منك؛ جاءني به جبريل).[٢]
تاريخ الحجر الأسود: من أصله السماوي إلى رحلته الطويلة عبر العصور
مرّ على الحجر الأسود العديد من الأحداث التاريخية منذ أن بنى إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام الكعبة المشرفة. نُذكر بعض تلك الأحداث:
عصر الجاهلية:
شهد الحجر الأسود صراعات بين قبائل مكة، منها حرب بين الجراهمة وخزاعة أدّت إلى إخراج الجراهمة من مكة. قام عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بأخذ الحجر الأسود ودفنه في زمزم. ولكنّ أحد نساء خزاعة شاهدته، فأخبرت قومها وأخرجوا الحجر وأعادوه إلى مكانه.
ومن الأحداث التي وقعت في الجاهلية أيضًا، دفاع القرشيين، ومنهم خويلد أبو خديجة -رضي الله عنها- عن الحجر الأسود عندما أراد تبعٌ أخذ الحجر إلى اليمن. حيث قال ابن الأثير: (وهو -خويلدـ الذي نازع تبعاً حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن، فقام في ذلك الوقت خويلد، وقام معه جماعةٌ منقريشٍ، ثمّ رأى تبعٌ في منامه ما روّعه، فنزع عن ذلك، وترك الحجر الأسود في مكانه).
بعد ميلاد النبي صلّى الله عليه وسلّم:
في فترة شباب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقبل بعثته، حدث حريقٌ في الكعبة أثّر في بنيانها. خشي قريش من أن تُهدم الكعبة، فقرّروا إعادة بنائها. شارك رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم- مع بني هاشم في نقل حجارتها. وبعد الانتهاء من البناء، اختلفوا فيما بينهم على وضع الحجر الأسود في مكانه، حيث كانت كلّ قبيلةٍ تطمع بنيل ذلك الشرف. فقرّروا الاحتكام إلى أول من يدخل البيت الحرام، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فحكّم بينهم، واستقرّ الحجر الأسود في مكانه.
العام الرابع والستين للهجرة:
لم يحدث أيّ تغييرٍ على الحجر الأسود، حتى العام الرابع والستين للهجرة، عندما ربطه عبد الله بن الزبير بالفضة، بعدما تصدّع إثر رمي الكعبة بالمنجنيق، من قبل الحصين بن النمير قائد يزيد، وذلك خلال حربٍ وقعت بين يزيد وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.
العصر العباسي:
تم تنقيب الحجر الأسود بالماس، وإفراغ الفضة عليه من قبل الخليفة العباسي هارون الرشيد.
سرقة الحجر الأسود وعودته
في عام 317 للهجرة، وقع أخطر حدثٍ في تاريخ الحجر الأسود. غزت فرقةٌ خبيثةٌ تُدعى بالقرامطة مكة بقيادة أبو طاهر القرمطي. تمكّن القرامطة من احتلال مكة، فسرقوا الحجر الأسود، ووضعوه في بيتٍ كبيرٍ في قرية الجش، في منطقة الإحساء. ثمّ أمر زعيمهم الناس في القطيف بالحج إلى ذلك البيت، ولكنّ أهل القطيف رفضوا ذلك، فقتل القرامطة الكثير منهم، ونقلوا الحجر الأسود إلى الكوفة، ولكنّهم أعادوه فيما بعد إلى الإحساء.
يصف ابن كثير تلك الأحداث بقوله: (وفي سنة تسعٍ وثلاثين وثلاثمئة في هذه السنة المباركة، في ذي القعدة، منها ردّ الحجر الأسود المكي إلى مكانه في البيت، وقد بذل لهم؛ أيّ القرامطة، الأمير بجكم التركي خمسين ألف دينار، على أن يردّوه إلى موضعه فلم يفعلوا، ثمّ أرسلوه إلى مكة بغير شيءٍ على قعودٍ، فوصل في ذي القعدة من هذه السنة، ولله الحمد والمنة، وكان مدة مغايبته عندهم ثنتين وعشرين سنة، ففرح المسلمون لذلك فرحاً شديداً).
الجاسوس الذي أسلم
علم المستشرقون أنّ المسلمين يعتقدون بنزول الحجر الأسود من السماء، وأنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال:(نزلَ الحجرُ الأسوَدُ منَ الجنَّةِ، وَهوَ أشدُّ بياضًا منَ اللَّبنِ، فسَوَّدَتهُ خطايا بَني آدمَ)،[٤] أردوا أن يثبتوا بأنّ الحجر الأسود مجرّد حجر بازلتٍ أسودٍ كباقي الحجارة في مكة، فيكون بذلك ثغرةً لمهاجمة الإسلام. فتوجّه أحدهم إلى المغرب حيث تعلّم اللغة العربية في سبع سنواتٍ، وكسب اللهجة المغربية، ثمّ توجّه إلى مصرٍ، ومنها خرج على متن باخرةٍ متوجهاً إلى مكة المكرمة، برفقة الحجاج الذين أكرموه؛ ظناً منهم أنّه يريد حجّ البيت.
تأثّر قليلاً بحسن معاملتهم، وثأثّر أكثر لمّا رأى المسجد النبوي في المدينة المنورة، والكعبة المشرفة في مكة. ولكنّه أصرّ على تنفيذ مهمته، فدخل في أحد الليالي إلى الكعبة المشرفة، وأثناء غفلة من الحراس، قام بأخذ قطعةٍ من الحجر الأسود، حيث إنّ الحجر الأسود تكسّر أثناء انتقاله من الحساء إلى مكة، بعدما سرقه القرامطة، وأصبح أربعة عشر جزءاً. وبعد أن أخذ تلك القطعة، عاد إلى بلاده، حيث وضع القطعة في متحف التاريخ الطبيعي في لندن؛ ليتم فحص العينة من قبل العلماء.
وكانت المفاجأة بالنسبة لهم أنّ الحجر الأسود حجرٌ نيزكيٌ من نوعٍ خاصٍ. لمّا علم بتلك النتيجة؛ تأثّر بشكلٍ كبيرٍ، ثمّ أعلن إسلامه، وكتب كتاباً من جزئين، سمّاه رحلةٌ إلى مكة.[٥]
المراجع
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 1597، صحيح.
- “الحجر الأسود وحقيقة عنصره”،www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 17-10-2018. بتصرّف.
- “الحجر الأسود تاريخ وأحكام”،www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 17-10-2018. بتصرّف.
- رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 877، صحيح.
- “جاسوس بريطاني أسلم بسبب الحجر الأسود”،islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 17-10-2018. بتصرّف.








