تدبر في تفسير الآية الكريمة
لقد أنزل الله -عز وجل- في كتابه الكريم آيات بينات تدل على عظمته وتأمر بالإحسان إلى الوالدين، ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة الإسراء:
وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا
. هذه الآية تحمل في طياتها معاني عظيمة يجب على كل مسلم التدبر فيها والعمل بها.
يشير معنى “وقضى ربك” إلى حكم الله وأمره الذي لا مرد له، وهو الأمر بأن نعبد الله وحده لا شريك له، ولا نتوجه بالعبادة إلا إليه. واستخدام لفظ “الرب” له دلالة عظيمة، فهو الخالق والرازق والمتفضل بالنعم، والأجدر بالطاعة والخضوع.
و قوله: “إلا إياه” تأكيد على وجوب توحيد الله في العبادة، وتجنب الشرك به بأي شكل من الأشكال.
أما قوله: “وبالوالدين إحسانا” فهو أمر بالإحسان إليهما بكل ما أوتينا من قوة، والبر بهما في جميع الأحوال. وقد جمع الله بين الأمر بعبادته والأمر بالإحسان إلى الوالدين؛ للدلالة على عظم حق الوالدين ومنزلتهما. فالله هو المنعم الأول والسبب الرئيسي لوجودنا، ثم يأتي الوالدان اللذان رعونا وربونا.
سبل تحقيق بر الوالدين
إن بر الوالدين ليس مجرد كلمات تقال، بل هو أفعال تترجم الحب والتقدير والاحترام. هناك العديد من الطرق التي يمكننا من خلالها أن نبر والدينا ونحسن إليهما.
وجوب طاعتهم
تعتبر طاعة الوالدين من الأمور الواجبة على الأبناء، فعليهم أن يطيعوا أوامرهم وأن يستجيبوا لطلباتهم ما لم تكن تلك الأوامر والطلبات مخالفة لشرع الله. فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
التحدث معهم باحترام
من الأدب مع الوالدين أن نخاطبهم بأدب واحترام، وأن نستخدم الألفاظ اللينة والمهذبة، وأن نخفض أصواتنا أثناء الحديث معهم، وأن نستمع إليهم بإنصات واهتمام، وأن لا نقاطعهم أثناء حديثهم.
الإنفاق عليهم عند الحاجة
من بر الوالدين أن ننفق عليهم إذا كانوا في حاجة إلى المال، وأن نسد حاجاتهم الأساسية، وأن نوفر لهم حياة كريمة لا يحتاجون فيها إلى سؤال الناس. فالعديد من الآباء والأمهات قد يتقدمون في العمر ويصبحون غير قادرين على العمل والكسب، وهنا يأتي دور الأبناء في إعالتهم ورعايتهم.
الدعاء لهم في الحياة والممات
الدعاء للوالدين من أعظم صور البر والإحسان إليهما. يجب علينا أن ندعو لهما بالرحمة والمغفرة والهداية والصلاح، وأن نسأل الله أن يجزيهما عنا خير الجزاء.
يقول الله تعالى: وَقُل رَبِّ ارحَمهُما كَما رَبَّياني صَغيرًا
. كما يجب علينا أن ندعو لهما بعد موتهما، وأن نستغفر لهما.
وقد ورد في الحديث الشريف: إنَّ الرَّجلَ لتُرفَعُ درجتُه في الجنةِ فيقولُ: أنَّى هذا؟ فيقالُ: باستغفارِ ولدِك لكَ
.
التصدق عنهم
من صور البر بالوالدين بعد موتهما أن نتصدق عنهما، وأن نحج أو نعتمر عنهما إذا لم يكونا قد أديا هذه الفريضة في حياتهما، وأن نقضي عنهما ديونهما.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له
.
صلة أصدقائهم وتقديرهم
من البر بالوالدين أن نصل أصدقاءهم وأن نحسن إليهم، فهذا يسعدهم في حياتهم وبعد مماتهم.
وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: مَنْ أحبَّ أن يَصِلَ أباهُ في قبرِهِ، فلْيَصِلْ إخوانَ أبيهِ منْ بعدِهِ
.








