تأملات في الحديث القدسي: من آذى لي وليا

استكشاف لمعاني الحديث القدسي ‘من عادى لي وليا’ وأثره على المؤمنين. يتضمن المقال نصائح حول كيفية نيل ولاية الله وتجنب أسباب غضبه.

تمهيد

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، نحمده ونستعينه ونسترشده، ونسأله العون والتوفيق. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، فمن يهدِ الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اختار من عباده من صفا قلبه فجعله وليا، وكتب على نفسه أن من عاداه فقد استحق غضبه.

ونشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

التذكير بتقوى الله

يا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي السبيل إلى الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة. تقوى الله هي وصية الله للأولين والآخرين، وهي نور يضيء لنا الدروب، وبها تطهر القلوب.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

القسم الأول

أيها الإخوة الكرام، يتجلى فضل الله وعظيم منته في قوله تعالى في كتابه العزيز: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس: 62-64].

تبين هذه الآيات الكريمة صفات عباد الله الصالحين الذين اصطفاهم ليكونوا أولياءه، فهم الذين آمنوا بالله حق الإيمان، وعملوا الصالحات، واتقوا الله في السر والعلن.

أعد الله لأوليائه كرامة عظيمة، فلا خوف عليهم يوم القيامة من عذاب الله، لأن الله رضي عنهم وآمنهم من أهوال ذلك اليوم، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من متاع الدنيا الزائل. أولياء الله هم الذين إذا رآهم الناس تذكروا الله، لما يظهر عليهم من نور الإيمان وسمات الصلاح.

هؤلاء الأولياء هم الذين توعد الله من يعاديهم بالحرب في الحديث القدسي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ).

تأملوا يا إخوة الإيمان، ما أعظم منزلة أولياء الله! إن الله تعالى ينذر من يعاديهم بالحرب، أي من يعاديهم بسبب صلاحهم وتقواهم، أو بسبب دعوتهم إلى الله وجهادهم في سبيله. فمن ذا الذي يجرؤ على معاداة الله أو محاربته؟ وأي قوة في الأرض أو في السماء تستطيع أن تقف في وجه الله؟

أيها العاقل، أيها المؤمن، كيف لك أن تعرض نفسك لهذا الوعيد الشديد، وهذه الحرب المعلنة من قبل خالق السماوات والأرض، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام؟ كيف تجرؤ النفس الضعيفة التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا أن تعادي أولياء الله وتعرض نفسها لعقابه؟

حذر الله من إيذاء أوليائه أو ظلمهم بأي شكل من الأشكال، سواء بالقول أو الفعل، أو بالهمز واللمز والغيبة والنميمة. إن إخبار الله بتولي أولئك الأولياء مؤذن بمحاربته لمن آذاهم أو ضارهم.

عباد الله، اتقوا الله واعملوا صالحاً وأطيعوا ربكم حتى تكونوا من أوليائه وخيرة خلقه، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه حتى تكونوا من أهل ولايته، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. بارك الله لكم في القرآن العظيم ونفعكم بهدي سيد المرسلين، واستغفروا ربكم من كل ذنب عظيم.

القسم الثاني

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، أحمده سبحانه وتعالى فهو المستحق للحمد والثناء، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن واله، أما بعد:

يا إخواني، إن الحب في الله والبغض في الله من أعظم صفات أولياء الله، فمن أحب لله وأبغض لله كان من أوليائه وحزبه المفلحين.

كما أسلفنا، أولياء الله هم صفوة خلقه، فليحذر المرء كل الحذر من أن يؤذي أولياء الله، وليبتعد كل البعد عما يضرهم أو يظلمهم أو يعنتهم، فمن آذى أولياء الله فقد آذى الله، ومن أغضبهم فقد أغضب الله، ومن عاداهم فقد بارز الله بالمحاربة وألقى على نفسه غضب الله سبحانه وتعالى.

دعاء

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، وعبادك المتقين، وأوليائك المفلحين؛ الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

اللهم تولنا فيما توليت به عبادك الصالحين، وحزبك المتقين، واجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين.

اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين على الحق يا أرحم الراحمين، اللهم أصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز، اللهم انصر دينك وكتابك، وسنَّة نبيك يا قوي يا عزيز.

اللهم فرِّج همَّ المهمومون من المسلمين، ونفس كرب المكروبين من المسلمين.

اللهم واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم ضاعف حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم يا أرحم الراحمين.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المصادر

  1. سورة آل عمران، آية: 102
  2. سورة النساء، آية: 1
  3. سورة يونس، آية: 62
  4. أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، صفحة 118. بتصرّف.
  5. مركز الدراسات والمعلومات القرآنية، موسوعة التفسير المأثور، صفحة 102.
  6. “من عادى لي وليا”، ملتقى الخطباء.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 6502.
  8. “معاداة أولياء الله”، الجمهرة.
  9. محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي، الآداب الشرعية والمنح المرعية، صفحة 130. بتصرّف.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

موعظة حول حديث (إذا رأى أحدكم منكرًا)

المقال التالي

فضائل الأخلاق الحميدة وأثرها

مقالات مشابهة

أهمية التكافل والمساندة في الشريعة الإسلامية

استكشاف مفهوم التكافل في الإسلام من خلال القرآن والسنة. فهم أشكال التآزر بين الأفراد وأثرها على المجتمع. نظرة في أقوال العلماء حول أنواع المساعدة المتبادلة.
إقرأ المزيد