مقدمة: ماتشو بيتشو.. المدينة الضائعة
تعتبر مدينة ماتشو بيتشو الأثرية لؤلؤة من جواهر الحضارات القديمة وإحدى عجائب الدنيا الحديثة. شيدت هذه المدينة الرائعة في القرن الخامس عشر الميلادي بواسطة أيدي ماهرة من حضارة الإنكا. كلمة “ماتشو بيتشو” تعني باللغة العربية “القمة القديمة” أو “الجبل القديم”. تتربع هذه المدينة بين أحضان جبال الأنديز الشاهقة، على بعد حوالي 120 كيلومترًا من منطقة كوسكو، وترتفع عن سطح البحر حوالي 2223 مترًا. تحيط الغابات الكثيفة بأجزاء واسعة من المدينة، ويجري نهر أوروبامبا بالقرب من هذه الأعجوبة الضائعة.
استعراض: روائع ماتشو بيتشو المعمارية
أتذكر جيدًا عندما كنت أشاهد مع والدي فيلمًا وثائقيًا عن ماتشو بيتشو على شاشة التلفاز. لقد أذهلتني روعة التصميم المعماري للمدينة. كانت المباني تبدو وكأنها من عالم آخر، تصميمًا وتنفيذًا. تساءلت في نفسي: كيف تمكن أناس في تلك الحقبة الزمنية من بناء صرح بهذا الحجم وبهذه الدقة المتناهية؟ كيف تمكنوا من تقطيع الأحجار وتسويتها بهذا الشكل المتقن، بحيث لا تكاد ترى فجوة بينها؟ سبحان الخالق الذي وهب الإنسان العقل والقدرة على الإبداع والابتكار.
في تلك الليلة، غلبني النعاس وأنا غارق في التفكير. فجأة، سمعت صوتًا مدويًا واستيقظت لأجد نفسي أسقط من مكان مرتفع. كنت أصرخ بذعر، ولكن فجأة توقفت عندما أمسك بي شيء ما. فتحت عيني لأجد نفسي معلقًا بغصن شجرة ضخمة، وتحتي مجموعة من الأشخاص الغريبي الأطوار يصدرون أصواتًا لم أفهمها. شعرت بالخوف الشديد، لكنني فهمت أنهم يريدون الإمساك بي واقتيادي إلى مكان ما. بالرغم من خوفي، فقد أُعجبت بالمكان الذي هبطت فيه. أين أنا؟ وكيف وصلت إلى هنا؟
بعد فترة، ذهب القوم، ولكنني لم أجرؤ على النزول حتى حل الليل. بدأت أشعر بالتعب والنعاس الشديد، وبدأ جوفي يئن جوعًا. يا إلهي، ما هذا الكابوس؟ هل من منقذ يوقظني منه؟ شعرت بارتفاع طفيف في درجة حرارتي وبدأ جسدي يذوي، وبدأت أنزلق عن الشجرة تدريجيًا. فجأة، ارتطمت بالأرض وأطلقت صرخة مدوية. غرقت في ألامي وغفوت، حتى استيقظت بين أيدي القوم الذين كانوا ينتظرونني أسفل الشجرة. شعرت بالرعب لأنهم كانوا يحملون أدوات تشبه السهام والحراب التي قرأت عنها في كتب التاريخ. اعتقدت أن نهايتي قد حانت.
بدأوا يشيرون إلى أنفسهم ويصدرون أصواتًا غريبة، ثم اقتادني أحدهم إلى مكان غريب يحتوي على أبنية تشبه الطراز الحديث. يا إلهي، لقد تذكرت أنني رأيت هذا المكان في التلفاز! أيقنت حينها أنني في حلم، أو أن آلة الزمن قد نقلتني إلى هذا العصر. استيقظت على صوت أحدهم يتحدث بكلمات غير مفهومة. ثم اقتادني شخص آخر وسلكنا طريقًا يحتوي على العديد من المصاطب، وكانت هناك أبنية مبنية فوق بعضها البعض دون أية دعائم. مررنا بجبال هواينا بيتشو، التي تعتبر من المعالم الأثرية الهامة التي تعود لحضارة الإنكا، ويمكن الوصول إليها عبر طريق متعرج. تسلقنا الطريق ووصلنا إلى القمة، حيث كان المنظر خلابًا. هناك مناظر طبيعية ساحرة تأسر العقول وتخطف الألباب. وعندما نظرت إلى الأسفل، رأيت ذلك النهر الجميل، نهر فيلكانوتا.
واصلنا المسير حتى وصلنا إلى معبد القمر، الذي يقع أسفل جبل هواينا بيتشو. يوجد بداخله كهف كبير مصنوع من مادة الجرانيت الأبيض. يقال إن سبب التسمية يعود إلى ضوء القمر الذي ينعكس على الكهف. دخلنا المعبد ورأيت مجموعة كبيرة من التماثيل والمنحوتات التي كان شعب الإنكا يعبدها. ثم دخلنا معبد الشمس، الذي يعتبر أكبر مبنى دائري في ماتشو بيتشو. دخلنا عبر خندق كبير موجود داخل المدينة. يعود سبب التسمية إلى الشمس التي تضيء المبنى من جميع الجهات. ومررنا أيضًا بقلعة ماتشو بيتشو القديمة.
إن تصميم هذه المدينة يدل على ذكاء شعب الإنكا وأنهم كانوا يختارون مواقعهم بعناية فائقة. لقد بنوا هذه المدينة المحاطة بالغابات الكثيفة، وكانوا حريصين على عدم التحدث عنها كثيرًا خوفًا من الغزو الإسباني. أُطلق على ماتشو بيتشو لقب “الحديقة المعلقة” لأنها شُيدت على قمة جبل شديد الانحدار. فجأة، بينما كنت أتأمل هذه المعالم الغريبة، سمعت أصواتًا عالية، وبدأت أرتجف خوفًا. كنت أرى الموت قادمًا. في خضم تفكيري، بدأت الأصوات تتعالى. يا إلهي، إنني أسمع كلامًا يشبه اللغة العربية! التفت نحو الصوت فإذا بوالدي قادمًا نحوي ومعه مجموعة من الرجال.
كان الرجال يرتدون سراويل تمامًا كما نرتدي أنا ووالدي. إذًا، والدي ليس أسيرًا مثلي. ازددت يقينًا من ذلك عندما بدأ والدي يضحك ويشير إلى الأشجار والتلال. بالرغم من غرابة الأمر، فقد شعرت بسعادة غامرة. التفت نحو الرجل الذي كان يقتادني فلم أجده. هل اختفى؟ ناديت أبي بفرح، “أبي أنا هنا!” ولكنه لم يجب. ناديته مرارًا وتكرارًا، لكن بلا فائدة. والدي يقترب مني، ولكنه لا يسمعني. ركضت نحوه وحاولت لمسه، ولكنني مررت من خلاله كأنني شبح. بدأت أصرخ حتى أيقظتني صفعة مدوية من والدي الذي كان يقف فوق رأسي.
الخلاصة: أساطير وقصص ماتشو بيتشو
هناك أقاويل بأن المدينة بنيت من قبل كائنات فضائية نظرًا لجمال تصميمها وعدم استخدام أدوات بناء حديثة. ويقال أيضًا أن إله الشمس هو من بنى المدينة. ولكن هذه مجرد أقاويل لا تستند إلى أي دليل علمي. إن هذه المدينة وأبنيتها دليل واضح على ذكاء شعب الإنكا وعبقريتهم. يعتقد بعض المؤرخين أن هذه المدينة كانت مكانًا لتقديم القرابين للآلهة، حيث عُثر على الكثير من جثث النساء. كان شعب الإنكا يعتقدون أن النساء هن بنات الشمس، فكانوا يقدمونهن كقرابين بهدف التقرب إلى الآلهة.
المدينة الأثرية ماتشو بيتشو تحمل في طياتها الكثير من الأسرار والغموض، وتظل شاهدًا على عظمة حضارة الإنكا وقدرتهم على الإبداع والابتكار. زيارة هذه المدينة هي تجربة لا تُنسى تأخذك في رحلة عبر الزمن لتكتشف أسرار الماضي وتستمتع بجمال الطبيعة الخلابة.








