فهرس المحتويات
الإنصاف والموازنة في الشريعة الإسلامية
تعددت آراء الناس في تحديد مفهوم الموازنة، وبرز اتجاهان متباينان: أولهما، المساواة المطلقة، والتي تعني إزالة كافة الاختلافات بين الأفراد، وجعلهم متماثلين في كل شيء، بغض النظر عن أعراقهم، أو ثقافاتهم، أو معتقداتهم. أما ثانيهما، فهو التطابق التام بين الأمور، باستثناء ما استثنته الشريعة من عدم التساوي، وذلك انطلاقًا من حق الشريعة في تحقيق التوازن والتفريق بين الأشياء.
يتضح من التعريف الأول أنه يفتح الباب على مصراعيه للمساواة، فيجعل الأمور المتغايرة متساوية، في حين أن الأصل في الموازنة هو التشابه بين الأشياء والمخلوقات. فالموازنة تكون عادلة عندما تتشابه الخصائص والصفات بين الشيئين، وليس إذا اختلفا في الخصائص، والصفات، والقدرات، كما هو الحال بين الرجل والمرأة على سبيل المثال، فالمساواة بينهما تكون مجحفة وليست منصفة، كما أن التعريف الأول يتعارض مع النصوص الصريحة في القرآن الكريم، التي تفرق بين الأمور، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ). [السجدة: 18]
وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين أن من قال إن الإسلام دين مساواة، فقد أخطأ في حق الإسلام، فالحقيقة أن الإسلام دين عدل وإنصاف، لا دين مساواة. فالإسلام يقرر الموازنة العادلة التي تجمع بين المتشابهين، وتفرق بين المختلفين. فالإسلام يساوي بين المرأة والرجل في الخصائص الإنسانية، والثواب، والعقاب، والتكاليف الشرعية، إلا أنه يفرق بينهما في الخصائص الجسدية، والنفسية، والعقلية، وذلك هو عين العدل الذي لا تحققه المساواة المطلقة بجمعها بين المختلفين دائمًا. والعدل شرعًا هو: وضع كل أمر في الموضع الذي أراده الله له، فيكون التوازن الذي يؤتي كل طرف حقه دون ظلم أو جور. والحقيقة أن المساواة المطلقة بين الناس أمر مستحيل عقلاً، والواقع يؤكد ذلك، فالموظفون في المؤسسة الواحدة يتفاوتون في رواتبهم، مع أنهم يتشابهون في الأحوال الاجتماعية، ويحتاجون نفس متطلبات الحياة من مأكل ومشرب وملبس، ويواجهون نفس الصعوبات الحياتية غالبًا، وليس في ذلك ظلمًا عند النظم الاجتماعية الحديثة.
الاختلافات بين الرجل والمرأة في الإسلام
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الرجل والمرأة، وجعلهما شقين للنوع الإنساني، ودليل ذلك قول الله عز وجل في القرآن الكريم: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ). [النجم: 45] وقد جعل الله الزوجين يشتركان في واجب إعمار الأرض، وواجب العبودية لله تعالى، وذلك في عموم أمور الدين؛ كالإيمان، والثواب، والعقاب، والترغيب، والترهيب، وفي عموم التشريعات من حقوق وواجبات أيضًا، حيث قال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا). [النساء: 124]
ومع ذلك، فقد قدر الله تعالى أن تكون طبيعة الرجل مختلفة عن طبيعة المرأة، وهيئتها، وطبيعة تكوينها. فالرجل يمتلك قوة طبيعية، بينما المرأة أقل منه في ذلك؛ بسبب ما يعتريها من أحوال الحيض، والنفاس، والمخاض، والإرضاع، وغيرها من تربية الأبناء، وتقديم الرعاية لهم. وكان من نتائج هذا الاختلاف في الخلق، الاختلاف في القدرات الجسدية والعاطفية والإرادية، بالإضافة إلى أمور كثيرة أخرى أشار إليها العلم الحديث، من اختلاف بين المرأة والرجل في الخلق.
وقد نتج عن هذا الاختلاف والتفاوت بين الجنسين، اختلاف بينهما في بعض الأحكام الشرعية، لتتوافق مع ما فطر عليه كل منهما، فلكل منهما وظائف ومهام تلائمه. فجملة وظائف الرجال خارج البيت؛ من سعي لكسب الرزق، وعمل من أجل الإنفاق على البيت والزوجة والأولاد، والرجل مكلف بالقوامة على البيت؛ بالحفظ والحماية. وأوجب الله تعالى على الرجل عددًا من العبادات غير الواجبة على النساء، من مثل: صلاة الجماعة، والجمعة، والجهاد في سبيل الله عز وجل، كما جعل الله الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة، وجعل نسبة الأبناء إلى أبيهم، لا إلى أمهم، وللرجل في بعض حالات الميراث ضعف ما للمرأة. أما المرأة فجملة وظائفها ومهامها في البيت، فتقوم بشؤون منزلها، وتحفظ زوجها وأولادها، وتقوم على حسن التربية والرعاية لهم، ولها أحكام شرعية خاصة كذلك؛ كأحكام الحيض، والطهارة، ووجوب الحجاب، وغير ذلك مما فصلت فيه كتب الفقه ومدوناته.
ضوابط وآداب التعامل بين الجنسين
حرّم الله عز وجل اتخاذ الأصدقاء والصديقات على كل من الرجال والنساء، ودليل ذلك قول الله تعالى: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ). [المائدة: 5] وإن ذلك الأمر محرم سواء أكان عبر مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر الهاتف، أو عبر اللقاءات المباشرة بينهم، فليس في الإسلام ما يسمى بالصداقة بين الرجل والمرأة، فإما أن تكون المرأة زوجة للرجل، أو من محارمه. أما زمالة العمل أو الدراسة، فقد فرض الواقع على الجنسين التواجد معًا في مكان واحد، وفي تلك الحالة لا بد من مراعاة الضوابط الشرعية للقاء بينهما، ووضع حدود واضحة للعلاقة بين الجنسين، وفيما يأتي بيان بعضها:
أهم الضوابط الشرعية للعلاقة بين الجنسين:
- الالتزام بغض البصر من كلا الطرفين، فلا يتحرى كل منهما النظر إلى عورة الآخر، ولا يطيل النظر لغير حاجة، ولا يسمح لنفسه بالنظر إلى الآخر نظرة شهوة.
- التزام المرأة باللباس الشرعي الكامل الساتر للبدن كله، عدا الوجه والكفين، ولا يكون اللباس واصفًا لجسدها أو شفافًا له.
- الالتزام المرأة في الآداب العامة كلها؛ كأدب الكلام، فلا تخضع المرأة بالقول عند الحديث إلى الرجال، وتلتزم بأدب المشي والحركة، فلا تتمايل في ذلك؛ حتى لا يعلم ما تخفي من زينتها.
- أن تتجنب المرأة كل ما من شأنه أن يفتن الرجل، ويغريه، ويثير غريزته؛ كالعطر، والزينة، والألوان الملفتة، وغير ذلك من أنواع الفتنة.
- الحذر من الخلوة بين المرأة والرجل؛ لما في ذلك من حرمة، خاصة إن كان الرجل من أقارب الزوج؛ لما دلت عليه الأحاديث النبوية الشريفة.
- أن يكون اللقاء فيما بينهما في حدود الحاجة فقط، فلا يمتد ويتوسع دون داع.
المراجع
- سورة السجدة، آية: 18
- سورة النجم، آية: 45
- سورة النساء، آية: 124
- سورة المائدة، آية: 5








