فهرس المحتويات
مقدمة حول مفهوم التنشئة
كلمة “التنشئة” مشتقة لغوياً من الفعل “نشّأ”، بمعنى ربّى وأحسن التربية، وعني بالشيء حتى نما وترعرع. وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم “الرب”، الذي يعني السيد والمربي والمنعم، وهو اسم لا يُطلق إلا على الله سبحانه وتعالى. في الاصطلاح، تعني التنشئة العملية المستمرة التي تهدف إلى تطوير الفرد في جميع جوانب حياته، جسمياً وعقلياً وروحياً، لإعداده ليكون عضواً فاعلاً في مجتمعه.
تكمن أهمية التنشئة في كونها أساس تقدم المجتمعات وازدهارها، وهي السبيل الأمثل لبناء الأجيال القادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة. لقد أثمرت التنشئة في القرآن الكريم جيلاً فريداً من الصحابة الكرام، الذين نشروا نور الإسلام في جميع أنحاء العالم. بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بتكوين العقيدة الراسخة في نفوسهم قبل نزول الأحكام الشرعية، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله:
“مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا”
[سورة الفتح: 29].
ما يميز المنهج القرآني في التنشئة هو مرونته وقدرته على التكيف مع مختلف الظروف والأحوال، مما يجعله صالحاً لكل زمان ومكان. لذا، فإن الاهتمام بهذا المنهج يعد أمراً ضرورياً للمسلمين، فهو يرتكز على العقيدة الصحيحة ويهدف إلى بناء مجتمع قوي ومتماسك.
القرآن الكريم كمنهل للتنشئة
يعتبر القرآن الكريم المصدر الأساسي والأول للتنشئة الإسلامية. فمن رحمة الله تعالى أنه لم يترك البشر وحدهم، بل أرسل إليهم الرسل والأنبياء على فترات متباعدة لدعوتهم إلى توحيده وتوضيح ما أشكل عليهم. يتميز القرآن بأنه كتاب عالمي شامل، موجه لجميع الناس في كل زمان ومكان، وليس لقوم معينين.
تستمد التصورات التربوية الإسلامية من القرآن الكريم أسسها ومبادئها، بهدف الوصول إلى سياسة تربوية فريدة تميزها عن غيرها من الأمم، ليكون المسلمون خير أمة أخرجت للناس. يسعى القرآن الكريم إلى ضبط سلوك الأفراد في جميع مجالات الحياة، وتوجيههم نحو عمارة الأرض وتحقيق الغاية التي خلقوا من أجلها. إنه كتاب شامل يحتوي على العبادات والمعاملات والقيم والأخلاق، ويحث على العلم والعمل الصالح. لم ينزل الله القرآن للتلاوة فقط، بل لتحويل هذه التلاوة إلى سلوك واقعي، ولتكون حياة المسلم كلها لله تعالى، كما قال سبحانه: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” [سورة الأنعام: 162].
لذا، يجب أن تقوم التنشئة الإسلامية على القرآن الكريم وما يوافقه، وأن يكون القرآن هادياً للعاملين في مجال التنشئة، فهو يحتوي على جميع الأسس التي تنظم حياة الأفراد وتكفل لهم السعادة في الدنيا والآخرة.
السمات المميزة للتأديب القرآني
تتميز التنشئة في القرآن الكريم بالعديد من الخصائص والسمات التي تجعلها فريدة ومتميزة، فهو كتاب الله المعجز، وكتاب التنشئة الأول للمسلمين. ومن أبرز هذه السمات:
- الربانية: بمعنى أن مصدرها وغايتها ربانية، فهي منهج من عند الله تعالى، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا لا يعني تعطيل العقل البشري، بل يحث القرآن الكريم على التفكير والتدبر وإعمال العقل.
- الشمولية: بمعنى أن المنهج القرآني شامل لحياة البشر في الدنيا والآخرة، ويتناول جميع جوانب حياة المسلم، جسمه وروحه، وينظم علاقته بنفسه ومع الآخرين.
- التكاملية: بمعنى التكامل في جميع مجالات الحياة، الأخلاقية والاقتصادية والسياسية والدينية وغيرها، وتكامل اتجاهات التنشئة القرآنية في مجالات العقيدة والعبادة والسلوك.
- الوسطية: بمعنى الاعتدال والتوازن، كما قال تعالى: “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” [سورة البقرة: 143]. يراعي القرآن مكونات الإنسان، جسمه وروحه، بشكل متوازن، ويعطي كل جانب حاجاته ومتطلباته.
- الواقعية: بمعنى التعامل مع البشر على أساس الخطأ والصواب، وليس على أساس المثالية، ومحاولة الوصول بالإنسان إلى درجة التقوى. قال تعالى: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ” [سورة البقرة: 286].
- الوضوح: بمعنى البعد عن الغموض والشك والنقص، فآياته واضحة وتوجيهاته جلية.
- اليسر والسهولة: بمعنى سهولة تطبيق تعاليمه والالتزام بها، فهي ضمن حدود طاقة البشر.
- الإيجابية العملية: بمعنى حث المسلم على العلم والعمل والتعليم، وعدم الاكتفاء بالتعلم فقط، والتحلي بالإيجابية والفعالية والتفاعل مع الآخرين.
- التدرج: تحتاج التنشئة إلى تدرج، فهي ليست عملية تحول مفاجئ في سلوك الأفراد، فالطباع البشرية تحتاج إلى تقريب وتجريب.
طرق وأساليب القرآن في غرس القيم
تتنوع الأساليب التربوية في القرآن الكريم والسنة النبوية، وذلك من حكمة الله تعالى في معالجة النفس البشرية، حتى يتربى الإنسان من خلالها على تعديل سلوكه والارتقاء بنفسه. فكل أسلوب من هذه الأساليب ينفذ إلى نفس الإنسان من خلال أحد منافذها، مما يؤدي في النهاية إلى الانتفاع بها جميعاً. ومن أبرز هذه الأساليب:
- التنشئة بالعبرة والموعظة: كما قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ” [سورة يونس: 57]. هذا الأسلوب يربي النفس البشرية على العقيدة والأخلاق، ويبين لها واجباتها بأسلوب لطيف.
- التنشئة بالقصة القرآنية: وقد قال تعالى عن القصة القرآنية: “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ” [سورة يوسف: 3]. وهي من أكثر الأساليب تشويقاً وفعالية في تعديل السلوك، وخاصة أنها ذات أغراض أخلاقية.
- التنشئة بالقدوة الحسنة: يربي القرآن المسلم على الاقتداء بالأنبياء والرسل عليهم السلام، فيتبرأ المسلم من الشرك والمشركين، ويصبر، وهكذا يتعامل مع الأنبياء جميعهم. وقد قال تعالى بعد أن ذكر عدداً من الأنبياء في القرآن الكريم: “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ” [سورة الأنعام: 90].
- التنشئة بالترغيب والترهيب: يتعامل القرآن بهذا الأسلوب بالقدر الذي يقوّم به النفس البشرية، ليسير المسلم على رضا الله تعالى، ويفوز بجنته، وينجو من عقابه.
- التنشئة بالتدرج: يستخدم القرآن هذا الأسلوب في التنشئة الإسلامية، فقد نزل القرآن مفرقاً، فبدأ بذكر الجنة والنار، ثم الحلال والحرام.
- التنشئة بالعبرة وضرب الأمثال: تؤثر العبرة في الحس الإنساني، وتدعو الإنسان إلى التفكير. قال تعالى: “وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” [سورة النحل: 66-67].
الأسس التي تقوم عليها التنشئة القرآنية
للتنشئة في القرآن العديد من الأسس والمبادئ التي تقوم عليها، ومن أبرزها:
- الوحدانية: يتفرد الإسلام بهذا المبدأ عن سائر التصورات الفلسفية الأخرى، لأنه تصور ينشأ من القلب والعقل، ويؤثر في سلوك المسلم، فيكون منضبطاً.
- وحدة النفس الإنسانية: تراعي التنشئة الإسلامية وحدة النفس البشرية، من جسد وعقل وروح، كما تراعي القدرات التي يمكن للمسلم استخدامها في الخير والشر، وفي الحق والباطل.
- الفطرة البشرية: ينظر القرآن إلى الإنسان على أنه قد وصل إلى المستوى الذي رشحه الله تعالى له، ويتمثل في أن يكون خليفته في الأرض.
- التعلم والتعليم: يكون ذلك من خلال الجمع بين العقل والحس، والنظرية والتطبيق، وتنمية الفكر والتأمل.








