مقدمة
تُعد قصيدة “جادك الغيث” للشاعر لسان الدين بن الخطيب من عيون الشعر الأندلسي، لما تحمله من جماليات لغوية وبلاغية. تتجلى روعة هذه القصيدة في استخدام الشاعر للصور الفنية المتنوعة التي تضفي عليها عمقًا وتأثيرًا خاصًا. في هذا المقال، سنتناول أبرز هذه الصور الفنية، من استعارة ومجاز وتشبيه، مع تحليل دقيق لأثرها في القصيدة.
الاستعارة في القصيدة
الاستعارة هي إحدى أهم الأدوات البلاغية التي استخدمها لسان الدين بن الخطيب في قصيدته. فهي تمنح الكلام حيوية وتجسيدًا للمعاني. من بين الاستعارات البارزة في القصيدة نجد:
- “جادَكَ الغيْثُ”: هنا، تم تشبيه الغيث بإنسان كريم يجود بعطائه. تم حذف المشبه به (الإنسان) والإبقاء على شيء من لوازمه (الجود)، وذلك على سبيل الاستعارة المكنية.
- “يقودُ الدّهْرُ أشْتاتَ المُنَى”: صوّر الشاعر الدهر كقائد يقود الركب ويسير أمامهم، ومرة أخرى، حذف المشبه به (القائد) وأبقى على لازم من لوازمه (القيادة)، مما يجعلها استعارة مكنية.
- “الحَيا قدْ جلّلَ الرّوضَ”: هنا، تم تشبيه المطر بغطاء يغطي الروض ويحميه، وحذف المشبه به (الغطاء) والإبقاء على لازم من لوازمه (التغطية)، مما يجعلها استعارة مكنية.
تساهم هذه الاستعارات في إضفاء حيوية على القصيدة وتجسيد المعاني المجردة.
المجاز في القصيدة
المجاز هو استخدام الكلمات في غير معناها الحقيقي لعلاقة ما، وهو يضفي على الكلام جمالًا وتعبيرًا. من أمثلة المجاز في القصيدة:
- “كَساهُ الحُسْنُ ثوْباًا”: هنا استخدم الشاعر لفظة “كساه” التي تستخدم عادة للإنسان، وأسندها إلى الجمال، وهو أمر معنوي. هذا يعد مجازًا لغويًا.
- “لَيالٍ كتَمَتْ سرَّ الهَوى”: أسند الشاعر فعل الكتمان إلى الليالي، وهو فعل يختص بالعاقل، وهذا يُعد ضربًا من ضروب المجاز.
- “حينَ لذّ الأنْسُ”: هنا استخدم الشاعر لفظة اللذة، وهي عادة ما ترتبط بالأمور المادية، للأنس، وهو أمر معنوي، وهذا يعتبر مجازًا عقليًا.
تعزز هذه الاستخدامات المجازية من قوة التعبير في القصيدة وتجعلها أكثر تأثيرًا.
التشبيه في القصيدة
التشبيه هو عقد مقارنة بين شيئين أو أكثر يشتركان في صفة أو أكثر، وذلك باستخدام أداة التشبيه. من التشبيهات التي وردت في قصيدة “جادك الغيث”:
- “وطَرٌ مرّ كلَمْحِ البصَرِ”: شبّه الشاعر انقضاء اللذة بسرعة بلمح البصر. هنا، ذكر المشبه (الوطر)، والمشبه به (لمح البصر)، وأداة التشبيه (الكاف)، وحذف وجه الشبه (السرعة)، وهذا يجعله تشبيهًا مُجمَلًا.
- “هجَمَ الصُّبْحُ هُجومَ الحرَسِ”: شبّه الشاعر مجيء الصبح بسرعة هجوم الجنود والحرس. ذكر المشبه (مجيء الصبح)، والمشبه به (هجوم الحرس)، ولم يذكر أداة التشبيه ولا وجه الشبه، مما يجعله تشبيهًا بليغًا.
- “ينْزِلُ النّصْرُ مثْلَما ينْزِلُ الوحْيُ”: شبّه الشاعر مجيء النصر بنزول الوحي من حيث التأييد الإلهي. ذكر المشبه (نزول النصر)، والمشبه به (نزول الوحي)، وأداة التشبيه (مثلما)، ولم يذكر وجه الشبه، وهذا يجعله تشبيهًا مُجمَلًا.
تساهم هذه التشبيهات في توضيح المعاني وتقريبها إلى ذهن القارئ، مما يزيد من تأثير القصيدة.
نص القصيدة
إليكم نص القصيدة كاملًا:
جادَكَ الغيْثُ إذا الغيْثُ هَمى
يا زَمانَ الوصْلِ بالأندَلُسِ
لمْ يكُنْ وصْلُكَ إلاّ حُلُما
في الكَرَى أو خِلسَةَ المُخْتَلِسِ
إذْ يقودُ الدّهْرُ أشْتاتَ المُنَى
تنْقُلُ الخَطْوَ علَى ما يُرْسَمُ
زُمَراً بيْنَ فُرادَى وثُنَى
مثْلَما يدْعو الوفودَ الموْسِمُ
والحَيا قدْ جلّلَ الرّوضَ سَنا
فثُغورُ الزّهْرِ فيهِ تبْسِمُ
ورَوَى النّعْمانُ عنْ ماءِ السّما
كيْفَ يرْوي مالِكٌ عنْ أنسِ
فكَساهُ الحُسْنُ ثوْباً مُعْلَما
يزْدَهي منْهُ بأبْهَى ملْبَسِ
في لَيالٍ كتَمَتْ سرَّ الهَوى
بالدُّجَى لوْلا شُموسُ الغُرَرِ
مالَ نجْمُ الكأسِ فيها وهَوى
مُسْتَقيمَ السّيْرِ سعْدَ الأثَرِ
وطَرٌ ما فيهِ منْ عيْبٍ سَوَى
أنّهُ مرّ كلَمْحِ البصَرِ
حينَ لذّ الأنْسُ مَع حُلْوِ اللّمَى
هجَمَ الصُّبْحُ هُجومَ الحرَسِ
غارَتِ الشُّهْبُ بِنا أو ربّما
أثّرَتْ فيها عُيونُ النّرْجِسِ
أيُّ شيءٍ لامرِئٍ قدْ خلَصا
فيكونُ الرّوضُ قد مُكِّنَ فيهْ
تنْهَبُ الأزْهارُ فيهِ الفُرَصا
أمنَتْ منْ مَكْرِهِ ما تتّقيهْ
فإذا الماءُ تَناجَى والحَصَى
وخَلا كُلُّ خَليلٍ بأخيهْ
تبْصِرُ الورْدَ غَيوراً برِما
يكْتَسي منْ غيْظِهِ ما يكْتَسي
وتَرى الآسَ لَبيباً فهِما
يسْرِقُ السّمْعَ بأذْنَيْ فرَسِ
يا أُهَيْلَ الحيّ منْ وادِي الغضا
وبقلْبي مسْكَنٌ أنْتُمْ بهِ
ضاقَ عْن وجْدي بكُمْ رحْبُ الفَضا
لا أبالِي شرْقُهُ منْ غَرْبِهِ
فأعِيدوا عهْدَ أنْسٍ قدْ مضَى
تُعْتِقوا عانِيكُمُ منْ كرْبِهِ
واتّقوا اللهَ وأحْيُوا مُغْرَما
يتَلاشَى نفَساً في نفَسِ
حُبِسَ القلْبُ عليْكُمْ كرَما
أفَتَرْضَوْنَ عَفاءَ الحُبُسِ
وبقَلْبي منْكُمُ مقْتَرِبٌ
بأحاديثِ المُنَى وهوَ بَعيدْ
قمَرٌ أطلَعَ منْهُ المَغْرِبُ
بشِقوةِ المُغْرَى بهِ وهْوَ سَعيدْ
قد تساوَى مُحسِنٌ أو مُذْنِبُ
في هَواهُ منْ وعْدٍ ووَعيدْ
ساحِرُ المُقْلَةِ معْسولُ اللّمى
جالَ في النّفسِ مَجالَ النّفَسِ
سدَّدَ السّهْمَ وسمّى ورَمى
ففؤادي نُهْبَةُ المُفْتَرِسِ
إنْ يكُنْ جارَ وخابَ الأمَلُ
وفؤادُ الصّبِّ بالشّوْقِ يَذوبْ
فهْوَ للنّفْسِ حَبيبٌ أوّلُ
ليْسَ في الحُبِّ لمَحْبوبٍ ذُنوبْ
أمْرُهُ معْتَمَدٌ ممْتَثِلُ
في ضُلوعٍ قدْ بَراها وقُلوبْ
حكَمَ اللّحْظُ بِها فاحْتَكَما
لمْ يُراقِبْ في ضِعافِ الأنْفُسِ
مُنْصِفُ المظْلومِ ممّنْ ظَلَما
ومُجازي البَريءِ منْها والمُسي
ما لقَلْبي كلّما هبّتْ صَبا
عادَهُ عيدٌ منَ الشّوْقِ جَديدْ
كانَ في اللّوْحِ لهُ مكْتَتَبًا
قوْلُهُ إنّ عَذابي لَشديدْ
جلَبَ الهمَّ لهُ الوَصَبا
فهْوَ للأشْجانِ في جُهْدٍ جَهيدْ
لاعِجٌ في أضْلُعي قدْ أُضْرِما
فهْيَ نارٌ في هَشيمِ اليَبَسِ
لمْ يدَعْ في مُهْجَتي إلا ذَما
كبَقاءِ الصُّبْحِ بعْدَ الغلَسِ
سلِّمي يا نفْسُ في حُكْمِ القَضا
واعْمُري الوقْتَ برُجْعَى ومَتابْ
دعْكَ منْ ذِكْرى زَمانٍ قد مضى
بيْنَ عُتْبَى قدْ تقضّتْ وعِتابْ
واصْرِفِ القوْلَ إلى المَوْلَى الرِّضى
فلَهُم التّوفيقُ في أمِّ الكِتابْ
الكَريمُ المُنْتَهَى والمُنْتَمَى
أسَدُ السّرْحِ وبدْرُ المجْلِسِ
ينْزِلُ النّصْرُ عليْهِ مثْلَما
ينْزِلُ الوحْيُ بروحِ القُدُسِ
مُصْطَفَى اللهِ سَميُّ المُصْطَفَى
الغَنيُّ باللّهِ عنْ كُلِّ أحَدِ
مَنْ إذا ما عقَدَ العهْد وَفَى
وإذا ما فتَحَ الخطْبَ عقَدْ
مِنْ بَني قيْسِ بْنِ سعْدٍ وكَفى
حيْثُ بيْتُ النّصْرِ مرْفوعُ العَمَدْ
حيث بيْتُ النّصْرِ محْميُّ الحِمَى
وجَنى الفَضْلَ زكيُّ المَغْرِسِ
والهَوى ظِلٌّ ظَليلٌ خيَّما
والنّدَى هبّ الى المُغْتَرَسِ
هاكَها يا سِبْطَ أنْصارِ العُلَى
والذي إنْ عثَرَ النّصْرُ أقالْ
عادَةٌ ألْبَسَها الحُسْنُ مُلا
تُبْهِرُ العيْنَ جَلاءً وصِقالْ
عارَضَتْ لفْظاً ومعْنىً وحُلا
قوْلَ مَنْ أنطَقَهُ الحُبُّ فَقالْ
هلْ دَرَى ظبْيُ الحِمَى أنْ قد حَمَى
قلْبَ صبٍّ حلّهُ عنْ مَكْنِسِ
فهْوَ في خَفْقِ وحَرٍّ مثلَما
ريحُ الصَّبا بالقَبَسِ
المراجع
- “جادك الغيث إذا الغيث همى”،الديوان، تم الاطلاع عليه بتاريخ 17/3/2022.








